على ركام بيته الجنوبيّ.. رحل أبو علي وبقيت الحسرة

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ليست كل الصور التي تجتاح مواقع التواصل مجرّد لقطة عابرة. بعضها يختصر عمراً كاملاً، ويضع الوجع أمام الناس بلا شرح طويل. صورة الحاج حسين علي فقيه، المعروف بـ"أبو علي"، وهو يفترش ركام منزله المدمّر في بلدة صريفا الجنوبية، كانت من هذا النوع: صورة رجل لم يخسر جدراناً فقط، بل خسر تعب السنين والذكريات، وبعدها خسر حياته التي كانت خلاصة سنوات طويلة من العمل والصبر.

في الجنوب، لا تُبنى البيوت بسهولة. هناك، للحجر ذاكرة، وللتراب رائحة تعب. في صريفا، البلدة القريبة من صور والمعروفة بزراعة التبغ، يعرف الناس جيداً معنى أن يشيّد بيت من تعب اليدين، ومن موسمٍ ينتظرونه كما ينتظر الفقير خبراً طيباً. بيت أبو علي لم يكن بناءً عادياً، بل حصيلة عمرٍ طويل من الانحناء فوق الأرض، ومن الصبر على مهنة قاسية لا تمنح أصحابها إلا القليل.
Image

عاد الرجل إلى بيته فلم يجده. وجد الركام مكان الباب، والغبار مكان الذكريات، والحجارة مبعثرة كأنها صفحات عمره. جلس بينها لا كمن يودّع منزلاً، بل كمن يحاول أن يصدّق أن ما بناه حجراً فوق حجر صار فجأة بلا سقف ولا نوافذ ولا دفء، ليلتحق بركب من استشهدوا بسبب همجية هذا العدو.
نهاراً، كان يعود أبو علي إلى المكان نفسه. يرفع الردم بيديه، لا بحثاً عن أثاث أو غرض ضائع فقط، بل عن بقايا حياة. ربما يبحث عن أثر ضحكة، عن زاوية كان يجلس فيها، عن باب كان يفتحه مطمئناً، عن شيء يقول له إن البيت لم يمت كله.

في صورة أبو علي، لا نرى رجلاً مسناً فوق ركام فحسب. نرى حسرة عمر حين يُهدم في لحظة. نرى وجع من تعب طويلاً ليبني مكاناً يأويه، ثم صار هو نفسه ضيفاً على حجارته. نرى الجنوب كما هو دائماً: موجوعاً، صامداً، وواقفاً رغم أن البيوت من حوله تسقط.

رحل أبو علي، وبقيت صورته شاهدة على حسرة لا تحتاج إلى شرح. رجلٌ تعب ليبني بيتاً متواضعاً من عرق السنين، ثم جلس فوق ما تبقّى منه، كمن يودّع عمره بصمت.


رحل أبو علي، لكن وجعه لم ينتهِ. عائلته تنتظر في صور السماح بإدخال جنازته إلى صريفا، ليدفن هناك كما أوصى، وسط استمرار المخاوف الأمنية وإنذارات الإخلاء. حتى وداعه الأخير صار معلّقاً، كأن الحرب لا تكتفي بأخذ البيوت، بل تطيل الطريق بين الإنسان وأرضه.. فكم يحتاج الإنسان من العمر ليبني بيتاً؟ وكم تحتاج الحرب من لحظة كي تسرقه؟

أخبار ذات صلة

0 تعليق