لم تعد مفاجأة. ما يجري في جنوب لبنان على صعيد حرب المسيّرات، تحديدًا تلك التي يسميها الإعلام الاسرائيلي "طائرات بدون طيار من نوع"FVP" ليس وليد اللحظة، ولا هو تطوير محلي محض بالكامل. إنه، وفق تتبع ميداني وتقارير استخباراتية تتويج لعملية "نقل خبرات" طويلة النفس من أكثر ساحات القتال تطورًا في هذا المجال: أوكرانيا. فكيف تحولت الطائرة الرباعية الصغيرة، التي تُحلّق بنظارة واقع افتراضي، من سلاح "ديفيد" الأوكراني بوجه "جوليات" الروسي، إلى كابوس يُقلق "جيشا" يمتلك منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات؟
من "المافيك" التجارية إلى "الكاميكازي" المسلحة
القصة لا تبدأ بمصنع أسلحة، بل بسوق إلكترونيات. منذ العام 2014، ومع بدء تبلور تكتيكات الحروب غير النظامية في الشرق الأوسط، راقب مهندسو "حزب الله" عن كثب كيف تحولت الطائرات التجارية الصغيرة، من طراز "دي جيه آي" الصينية، إلى أداة استطلاع وإسقاط قنابل يدوية في حلب والموصل. لكن القفزة النوعية الكبرى حدثت أمام أعينهم، وبالتفصيل الممل، على الجبهة الأوكرانية بدءًا من شباط 2022.
هناك، في مواجهة تفوق جوي ومدفعي روسي ساحق، لم يكن أمام الأوكرانيين خيار سوى الابتكار الرخيص والفتاك. لقد أتقنوا عقيدة استخدام "طائرات " FPV-First Person View".
هذه ليست مُسيّرات بالمعنى التقليدي، بل مقذوفات ذكية منخفضة التكلفة. هي طائرة سباق رباعية المراوح، عُدّلت لتحمل رأسًا حربيًا، غالبًا من قذائف "آر بي جي" أو شحنات مشكلة. الطيّار لا ينظر إلى السماء، بل يضع نظارة فيديو تنقل إليه بثًا آنيًا من كاميرا الطائرة، فيرى بـ"عين" القذيفة وهي تطير بسرعة قد تتجاوز 100 كيلومتر في الساعة وتناور حتى لحظة الاصطدام.
كيف تم نقل التجربة؟ دروس من "مختبر الحرب" الأوكراني
مصدر عسكري قال لـ"لبنان24" إن نقل هذه المعرفة لم يكن عبر مجرد فيديوهات على الإنترنت. العامل الحاسم هو التدريب المباشر وتدفق المكونات. إيران، الراعي الاستراتيجي لـ"حزب الله"، كانت بدورها طالبة نجاح في "المدرسة الأوكرانية". لقد حصل الإيرانيون على طائرات "شاهد" الانتحارية بتقنياتها من جهة، وراقبوا بذهول كيف طور الأوكرانيون ثقافة "مختبرات الأقبية" عبر مئات الورش الصغيرة والمنتشرة على خط الجبهة، حيث يطبع المتطوعون هياكل الطائرات بطابعات ثلاثية الأبعاد، ويلحمون الدوائر الإلكترونية، ويبرمجون متحكمات الطيران مفتوحة المصدر.
يضيف المصدر: "هذا بالضبط ما سعى "حزب الله" إلى استنساخه. لم يعد بحاجة إلى شحن طائرات جاهزة عبر طرق التهريب المعقدة. ما احتاجه هو "التكنولوجيا الناعمة"، حيث استُخدمت أنظمة تحكم طيران مثل "بيتا فلايت" و"آي ناف"، وهي نفسها التي يستخدمها الهواة والمقاتلون الأوكرانيون، والتي تسمح ببرمجة الطائرة لتجاهل الموانع والطيران الآلي جزئيًا.
وقال:" الدرس الأوكراني الأهم كان تكتيكيًا. فشبكات الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل "القبة الحديدية" ورادارات "آيرون دوم" المصممة لكشف الصواريخ والطائرات الكبيرة، وجدت نفسها عمياء أمام جسم بلاستيكي صغير، يطير على ارتفاع منخفض جدًا (دون 50 مترًا) وبسرعة متوسطة، وببصمة حرارية لا تكاد تُرى. هذا ما يُسمى "الطيران تحت الرادار".
أضاف:" بالعودة إلى الدروس الأوكرانية، فإن المهندسين طوروا تقنية "الانقضاض المستقل". الطائرة تطير يدويًا حتى لحظة الاقتراب من الهدف أو دخول مجال التشويش. هنا، وفي اللحظة التي تفقد فيها الإشارة، تنتقل تلقائيًا إلى وضع "الإغلاق على الهدف " مستخدمةً ما يسمى برؤية الآلة ((Machine Vision.فببساطة، الطيار يحدد الهدف بكبسة زر على الشاشة قبل أن يُشوّش عليه، وعندها "تفهم" الطائرة شكل الهدف (دبابة، نافذة تحصين، حفرة جنود) وتكمل طريقها إليه بمفردها مهما كانت قوة التشويش. وهنا، لم تعد بحاجة لإشارة بشرية في الثواني الأخيرة الحاسمة.
هذه التقنية، التي استخدمها الأوكرانيون لضرب دبابات "تي-90" الروسية المتطورة المزودة بمنظومات تشويش "ريبيفنيك"، أصبحت كابوسًا ميدانيًا في الجنوب. يُضاف إلى ذلك استخدام ترددات اتصال رقمية متغيرة يصعب التنصت عليها أو التشويش عليها، واستخدام كابلات الألياف الضوئية في بعض الحالات النادرة حيث تنسل الطائرة بخيط رفيع يربطها بالمشغل فلا يتأثر بأي تشويش لاسلكي، تمامًا مثلما يفعل الروس الآن في أوكرانيا بنسخ محسنة من طائرات "لانسيت".
ما يفعله "حزب الله" ليس مجرد تباهٍ تقني. إنه يفتح جبهة استنزاف ذكية. فمن خلال استنساخ وتطويع عقيدة الـ"FPV" من النموذج الأوكراني، نجح في إشغال المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بأسراب من "بعوض" قاتل، تلسع في مقتل، وتصور طريقها إلى الهدف بدقة مرعبة، متجنبة الرادار تارة ومتغلبة على التشويش تارة أخرى.
من "المافيك" التجارية إلى "الكاميكازي" المسلحة
القصة لا تبدأ بمصنع أسلحة، بل بسوق إلكترونيات. منذ العام 2014، ومع بدء تبلور تكتيكات الحروب غير النظامية في الشرق الأوسط، راقب مهندسو "حزب الله" عن كثب كيف تحولت الطائرات التجارية الصغيرة، من طراز "دي جيه آي" الصينية، إلى أداة استطلاع وإسقاط قنابل يدوية في حلب والموصل. لكن القفزة النوعية الكبرى حدثت أمام أعينهم، وبالتفصيل الممل، على الجبهة الأوكرانية بدءًا من شباط 2022.
هناك، في مواجهة تفوق جوي ومدفعي روسي ساحق، لم يكن أمام الأوكرانيين خيار سوى الابتكار الرخيص والفتاك. لقد أتقنوا عقيدة استخدام "طائرات " FPV-First Person View".
هذه ليست مُسيّرات بالمعنى التقليدي، بل مقذوفات ذكية منخفضة التكلفة. هي طائرة سباق رباعية المراوح، عُدّلت لتحمل رأسًا حربيًا، غالبًا من قذائف "آر بي جي" أو شحنات مشكلة. الطيّار لا ينظر إلى السماء، بل يضع نظارة فيديو تنقل إليه بثًا آنيًا من كاميرا الطائرة، فيرى بـ"عين" القذيفة وهي تطير بسرعة قد تتجاوز 100 كيلومتر في الساعة وتناور حتى لحظة الاصطدام.
كيف تم نقل التجربة؟ دروس من "مختبر الحرب" الأوكراني
مصدر عسكري قال لـ"لبنان24" إن نقل هذه المعرفة لم يكن عبر مجرد فيديوهات على الإنترنت. العامل الحاسم هو التدريب المباشر وتدفق المكونات. إيران، الراعي الاستراتيجي لـ"حزب الله"، كانت بدورها طالبة نجاح في "المدرسة الأوكرانية". لقد حصل الإيرانيون على طائرات "شاهد" الانتحارية بتقنياتها من جهة، وراقبوا بذهول كيف طور الأوكرانيون ثقافة "مختبرات الأقبية" عبر مئات الورش الصغيرة والمنتشرة على خط الجبهة، حيث يطبع المتطوعون هياكل الطائرات بطابعات ثلاثية الأبعاد، ويلحمون الدوائر الإلكترونية، ويبرمجون متحكمات الطيران مفتوحة المصدر.
يضيف المصدر: "هذا بالضبط ما سعى "حزب الله" إلى استنساخه. لم يعد بحاجة إلى شحن طائرات جاهزة عبر طرق التهريب المعقدة. ما احتاجه هو "التكنولوجيا الناعمة"، حيث استُخدمت أنظمة تحكم طيران مثل "بيتا فلايت" و"آي ناف"، وهي نفسها التي يستخدمها الهواة والمقاتلون الأوكرانيون، والتي تسمح ببرمجة الطائرة لتجاهل الموانع والطيران الآلي جزئيًا.
وقال:" الدرس الأوكراني الأهم كان تكتيكيًا. فشبكات الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل "القبة الحديدية" ورادارات "آيرون دوم" المصممة لكشف الصواريخ والطائرات الكبيرة، وجدت نفسها عمياء أمام جسم بلاستيكي صغير، يطير على ارتفاع منخفض جدًا (دون 50 مترًا) وبسرعة متوسطة، وببصمة حرارية لا تكاد تُرى. هذا ما يُسمى "الطيران تحت الرادار".
أضاف:" بالعودة إلى الدروس الأوكرانية، فإن المهندسين طوروا تقنية "الانقضاض المستقل". الطائرة تطير يدويًا حتى لحظة الاقتراب من الهدف أو دخول مجال التشويش. هنا، وفي اللحظة التي تفقد فيها الإشارة، تنتقل تلقائيًا إلى وضع "الإغلاق على الهدف " مستخدمةً ما يسمى برؤية الآلة ((Machine Vision.فببساطة، الطيار يحدد الهدف بكبسة زر على الشاشة قبل أن يُشوّش عليه، وعندها "تفهم" الطائرة شكل الهدف (دبابة، نافذة تحصين، حفرة جنود) وتكمل طريقها إليه بمفردها مهما كانت قوة التشويش. وهنا، لم تعد بحاجة لإشارة بشرية في الثواني الأخيرة الحاسمة.
هذه التقنية، التي استخدمها الأوكرانيون لضرب دبابات "تي-90" الروسية المتطورة المزودة بمنظومات تشويش "ريبيفنيك"، أصبحت كابوسًا ميدانيًا في الجنوب. يُضاف إلى ذلك استخدام ترددات اتصال رقمية متغيرة يصعب التنصت عليها أو التشويش عليها، واستخدام كابلات الألياف الضوئية في بعض الحالات النادرة حيث تنسل الطائرة بخيط رفيع يربطها بالمشغل فلا يتأثر بأي تشويش لاسلكي، تمامًا مثلما يفعل الروس الآن في أوكرانيا بنسخ محسنة من طائرات "لانسيت".
ما يفعله "حزب الله" ليس مجرد تباهٍ تقني. إنه يفتح جبهة استنزاف ذكية. فمن خلال استنساخ وتطويع عقيدة الـ"FPV" من النموذج الأوكراني، نجح في إشغال المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بأسراب من "بعوض" قاتل، تلسع في مقتل، وتصور طريقها إلى الهدف بدقة مرعبة، متجنبة الرادار تارة ومتغلبة على التشويش تارة أخرى.











0 تعليق