التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" يقول إنه "نادراً ما تُحقق المناطق العازلة، إن لم يكن أبداً، السلام والأمن اللذين يعد بهما مؤيدوها"، وأضاف: "بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، على سبيل المثال، نُظر إلى أوكرانيا على أنها منطقة عازلة محايدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى منطقة صراع جيوسياسي متزايد الحدة، أعقبه حرب مفتوحة".
وأكمل: "لقد ارتكب رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو الخطأ نفسه عندما افترض أن دول أوروبا الوسطى والشرقية المستقلة حديثاً ستكون بمثابة منطقة عازلة ضد توغل روسيا البلشفية. لكنها كانت، بدلًا من ذلك، أهدافًا مبكرة لهتلر، وانتهى بها المطاف جزءاً من حلف وارسو بعد هزيمته".
وتابع: "في عصر تستطيع فيه الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار وغيرها من المقذوفات ضرب أهداف استراتيجية بعيدة بدقة متزايدة، فإن فكرة منطقة عازلة واقية ليست خاطئة فحسب، بل هي محض هراء. ومع ذلك، يصر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على ضرورة احتلال الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من جنوب لبنان لحماية المستوطنين الإسرائيليين في شمال إسرائيل. لقد تفاخر كاتس مؤخراً بأن القوات الإسرائيلية دمرت خمسة جسور على نهر الليطاني، على بعد حوالى 30 كيلومتراً من الحدود بين لبنان وإسرائيل، مما أدى إلى إنشاء منطقة عازلة ستبقى حتى يصبح شمال إسرائيل آمناً".
وأضاف: "لكن هذا الاحتلال، الذي يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، من غير المرجح أن يحقق أهدافه المعلنة، بل على العكس، سيجعل الإسرائيليين، وخاصة الجنود الإسرائيليين، أكثر عرضة للخطر".
وأردف: "بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، اتفق المجتمع الدولي على أنه لا يجوز لأي دولة الاستيلاء على أراضي دولة أخرى بالقوة، وقد برز مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب بشكل واضح في ديباجة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي دعا إلى انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في حزيران 1967".
وتابع: "مع ذلك، فإن العالم بأسره يراقب إسرائيل وهي تستولي عمداً على مساحات شاسعة من الأراضي بالقوة في غزة وجنوب لبنان. في غزة، إحدى أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم، يُقال إن الجيش الإسرائيلي يحتل أكثر من 50% من أراضيها. وفي لبنان، تسعى إسرائيل إلى احتلال غير محدد المدة لمساحة تتراوح بين 850 و1060 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب 10% من إجمالي مساحة البلاد. أما في الضفة الغربية، فتصر إسرائيل منذ زمن طويل على ضرورة الإبقاء على غور الأردن غرب النهر كمنطقة عازلة في أي اتفاق سلام".
واستكمل: "لكن مع وصول الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية إلى تل أبيب وبيت شيمش وحيفا وديمونا، وتوغل الطائرات المسيرة الأوكرانية عميقاً في روسيا، فقد انهار مبرر هذه المطالب. علاوة على ذلك، فإن سعي إسرائيل لاحتلال المزيد من الأراضي يُعرّض المدنيين المحليين لخطر التحول إلى أهداف في الخطوط الأمامية، بل إن بعض النقاد يحذرون من ديناميكية يصبح فيها المدنيون بمثابة دروع بشرية، مما سيوفر فرصة سياسية وإعلامية ذهبية لدعاة إسرائيل".
وأضاف: "في الوقت نفسه، من خلال احتلال الأراضي في جنوب لبنان، سيصبح الجنود الإسرائيليون أقرب إلى مقاتلي حزب الله وبالتالي أكثر عرضة للخطر. وكما أوضح عالم السياسة دومينيك تيرني، فإن القوة العسكرية وحدها نادراً ما تنتصر في الحروب، لأن الصراعات الحديثة هي صراعات سياسية واجتماعية وأيديولوجية، وليست مجرد معارك تكتيكية".
تيرني يقول، وفق التقرير، إنه "بينما يمكن لجيش مهيمن أن يكسب المعارك ويؤمن الأرض ويدمر القوات التقليدية، فإنه غالباً ما يفشل في خلق سلام دائم أو تحقيق الأهداف السياسية - المعروفة باسم كسب الحرب، لأنه لا يستطيع معالجة المشكلات الأساسية مثل انعدام الشرعية أو التمرد أو عدم الاستقرار السياسي المتجذر".
وأضاف: "بدلاً من الاعتراف بهذه القيود، أعلنت إسرائيل بالفعل أنها ستمنع عودة المواطنين اللبنانيين الذين فروا قبل بدء غزوها البري الأخير. وهذه السياسة ليست بجديدة، فمنذ عام 1948، حرمت إسرائيل نحو 750 ألف فلسطيني وذريتهم من حق العودة، على الرغم من قرارات الأمم المتحدة العديدة التي تحثها على منحهم هذا الخيار".
وأكمل التقرير: بدلاً من الاستيلاء على المزيد من الأراضي حيث سيظل المعارضون موجودين، فإن الاستراتيجية الأكثر حكمة هي السعي إلى تسوية سياسية. توجد حلول بالفعل لكل من غزة ولبنان، لكن يبدو أن السياسيين الإسرائيليين، وخاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته، أكثر اهتماماً بالحفاظ على الوضع الراهن من إحراز تقدم حقيقي".
وأضاف: "كما أشار الاستراتيجي الصيني القديم سون تزو منذ زمن بعيد، فإن إلحاق الضرر بالعدو أو مجرد الاستيلاء على أرضه لا يُعد بالضرورة نصراً. بل على العكس، قد يعود العدو المُهجَّر بعزيمة أكبر، أو قد يكون ثمن الحفاظ على الأرض الجديدة باهظًا. في بيئة تنافسية عدائية، يستطيع العدو المنسحب إعادة تنظيم صفوفه، وتكييف تكتيكاته، واكتساب تقنيات جديدة، وفي النهاية شنّ هجوم مضاد. فالمعركة لا تنتهي أبداً".
واعتبر التقرير أنه "لا حاجة إلى حكمة قديمة لفهم أن على الدول أن تسعى لحل أي توترات كامنة بدلاً من محاولة إنشاء مناطق عازلة"، مؤكداً أن "السيطرة على الأراضي لا تمحو الطرف الآخر"، وتابع: "لقد عرض معارضو حزب الله في لبنان، والقادة الفلسطينيون المعارضون لحماس، التعاون مع إسرائيل، لكن الأخيرة رفضت ذلك رفضاً قاطعاً. ويبدو أن قادتها الحاليين يعتقدون أن الصراع الدائم والاحتلال يخدمان مصالحهم بشكل أفضل من التنازلات السياسية غير الشعبية التي يتطلبها السلام".
وفي الختام، رأى التقرير أنَّ "السلام هو الخيار المستدام الوحيد"، مؤكداً أنه "لا يمكن تحقيق الأمن في غزة ولبنان عبر مناطق عازلة، بل فقط من خلال تسوية سياسية تعالج الاحتياجات الإنسانية والأسباب الجذرية للصراع"، وأضاف: "هذا يتطلب احترام القانون الدولي، والمساءلة عن الأفعال التي تؤثر على المدنيين من جميع الأطراف، واستعداداً حقيقياً للتفاوض، أما البديل فهو دوامات لا نهاية لها من العنف".











0 تعليق