تعتبر بقايا النجوم الضخمة الميتة، المعروفة باسم النجوم النابضة، من أكثر الظواهر الكونية إثارة وغموضًا، هذه الأجسام التي تدور بسرعة هائلة كانت تُصنف على أنها تبعث إشاراتها الراديوية من مناطق محدودة للغاية بالقرب من سطحها وأقطابها المغناطيسية، لكن دراسة علمية جديدة نشرت في مجلة Monthly Notices of the Royal Astronomical Society تشير إلى أن هذا الفهم قد يكون غير دقيق، وتفتح الباب أمام احتمال وجود عدد أكبر بكثير من هذه النجوم في الكون.
نمط مفاجئ في البيانات
كشفت الدراسة، التي أجراها كل من Michael Kramer من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي، وSimon Johnston من منظمة CSIRO، عن نتائج غير متوقعة بعد تحليل بيانات 200 نجم نابض من فئة الميلي ثانية، وهي نجوم تدور بسرعة فائقة، واعتمدت الدراسة على بيانات أشعة غاما التي جمعها تلسكوب Fermi Space Telescope التابع لوكالة NASA.
وأظهرت النتائج أن نحو ثلث هذه النجوم النابضة السريعة تصدر موجات راديوية من مناطق منفصلة، وهو سلوك نادر للغاية، حيث لا يحدث هذا إلا في حوالي 3% فقط من النجوم النابضة البطيئة.
إشعاع يتجاوز التوقعات
الأكثر إثارة في هذه النتائج هو أن الإشعاع الراديوي المنبعث من المناطق الخارجية لهذه النجوم يتطابق بشكل دقيق مع أشعة غاما القادمة من ما يُعرف بـ”طبقة التيار” — وهي منطقة مليئة بالجسيمات المشحونة تقع خارج ما يُسمى بأسطوانة الضوء.
هذا الاكتشاف يشير إلى أن الإشعاعات لا تقتصر فقط على مخروط ضيق حول الأقطاب المغناطيسية، كما كان يُعتقد سابقًا، بل تمتد إلى مناطق أوسع بكثير ضمن المجال المغناطيسي للنجم.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهمًا؟
تُعد هذه النتائج تحولًا كبيرًا في فهم العلماء لطبيعة النجوم النابضة، فإذا كانت هذه النجوم تبعث إشاراتها في نطاق أوسع، فهذا يعني أن عددًا أكبر منها يمكن رصده من الأرض، وهو ما يدعم فرضية أن الكون يحتوي على عدد هائل منها لم يتم اكتشافه بعد.
كما أن لهذا الاكتشاف أهمية خاصة في مجال دراسة موجات الجاذبية، حيث يعتمد العلماء على شبكة من النجوم النابضة لاستخدامها كأداة لرصد هذه الموجات الدقيقة، وكلما زاد عدد النجوم النابضة المكتشفة، أصبحت هذه الشبكة أكثر دقة وكفاءة.
التحدي القادم للعلماء
رغم أهمية هذا الاكتشاف، إلا أنه يطرح تساؤلات جديدة أمام المجتمع العلمي، إذ لا يزال العلماء بحاجة إلى فهم الآلية الفيزيائية التي تسمح لهذه النجوم بإصدار إشعاعات راديوية من مناطق بعيدة عن سطحها.
ويُعد الكشف عن هذا “الميكانيزم” خطوة أساسية لفهم أعمق لسلوك النجوم النابضة، وربما لإعادة صياغة بعض النظريات الأساسية في الفيزياء الفلكية.
تكشف هذه الدراسة عن جانب جديد وغير متوقع من طبيعة النجوم النابضة، وتُشير إلى أن ما نعرفه عنها حتى الآن قد يكون مجرد جزء صغير من الصورة الكاملة، وبينما يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا واسعة لرصد المزيد من هذه الأجسام الكونية، فإنه يضع أيضًا تحديات علمية جديدة تتطلب مزيدًا من البحث والتفسير.


















0 تعليق