.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في بعض اللحظات الفارقة، لا تُقاس قيمة الرجال بما يشغلونه من مناصب، بل بما يتركونه من أثرٍ يبقى بعد رحيلهم عن المشهد.
وهكذا جاء تصريح الكاتب والناقد الأمير أباظة، محمّلًا بنبلٍ نادر وإيثارٍ حقيقي، ليؤكد أن الكبار وحدهم هم القادرون على الانتصار للفكرة قبل الانتصار للذات، وللمؤسسة قبل الأشخاص.
حين قال: «يبقى مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، ونذهب جميعًا»، لم يكن يعلن استقالة من منصب، بقدر ما كان يقدّم درسًا في العطاء والتجرّد والإيمان بقيمة العمل الثقافي. كلمات خرجت من قلب رجل أفنى سنوات عمره في خدمة المهرجان، حتى أصبح جزءًا من تاريخه، وأصبح المهرجان جزءًا من سيرته ومسيرته.
على مدار أكثر من عقد من الزمن في رئاسة المهرجان، قاد الأمير أباظة هذه المؤسسة العريقة بحكمة العاشق وخبرة المثقف وإخلاص المؤمن برسالة الفن والثقافة. شهد المهرجان في عهده حضورًا عربيًا ومتوسطيًا لافتًا، ونجح في ترسيخ مكانته كأحد أهم المهرجانات السينمائية في المنطقة، محافظًا على هويته ودوره التنويري رغم ما واجهه من تحديات وصعوبات.
لم يكن نجاح المهرجان في عدد الدورات أو الضيوف أو الفعاليات فحسب، بل في تلك الروح التي ظل الأمير أباظة يبثها في أوصاله عامًا بعد عام؛ روح الانتماء والإيمان بأن الثقافة الحقيقية هي التي تبقى وتمنح الأجيال القادمة ما تستند إليه.
وفي زمنٍ يتمسّك فيه كثيرون بالمواقع والمناصب، اختار الأمير أباظة أن يترجل بإرادته، واضعًا مصلحة المهرجان فوق أي اعتبار شخصي، مؤكدًا أن المؤسسات الكبرى لا تُبنى بالأفراد وحدهم، بل باستمرار الرسالة التي يحملونها.
إن التاريخ الثقافي المصري سيذكر للأمير أباظة أنه لم يكن مجرد رئيس لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، بل كان أحد أبرز حراسه الأمناء، وسادنًا مخلصًا لمحرابه الثقافي، وهب له سنوات العمر وخلاصة الجهد والمحبة.
كل التحية والتقدير والامتنان للأمير أباظة، الإنسان والمثقف والإداري الذي قدّم نموذجًا نادرًا في الوفاء للمؤسسة التي أحبها، وترك خلفه مسيرة تستحق الاحترام، ومهرجانًا أكثر رسوخًا وحضورًا، وإرثًا ثقافيًا سيبقى شاهدًا على سنوات من العمل الجاد والعطاء الصادق.
ويبقى الأثر... ويبقى الاسم محفورًا في ذاكرة مهرجان الإسكندرية السينمائي، كما يبقى المهرجان نفسه منارةً مضيئةً للفن والثقافة، بفضل رجال آمنوا به ومنحوه أعمارهم دون انتظار مقابل.















0 تعليق