.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومع تداخل جبهات الصراع من إيران إلى لبنان، نجحت الولايات المتحدة في انتزاع إعلان جديد لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بعد جولة محادثات استمرت يومين في واشنطن.
إلا أن هذا الاتفاق، الذي روج له باعتباره خطوة نحو التهدئة والاستقرار، وجد نفسه منذ اللحظة الأولى محاصرًا بعوامل تهدد استمراره،بين استمرار العمليات العسكرية على الأرض، والانقسام السياسي داخل إسرائيل، ورفض قوى لبنانية مؤثرة لمسار التفاوض وشروطه، يبدو أن الطريق إلى التهدئة لا يزال مليئًا بالعقبات.
وفي هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عقب اجتماع ثلاثي رفيع المستوى برعاية أمريكية، في محاولة لاحتواء التصعيد المتواصل على الجبهة اللبنانية. وبحسب البيان المشترك، فإن الاتفاق يرتكز على وقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله، مع إبعاد عناصره عن منطقة جنوب نهر الليطاني، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لإعادة ترتيب الوضع الأمني في المنطقة الحدودية.
ولتحقيق هذا الهدف، تضمن الاتفاق إنشاء ما أطلق عليه "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان، حيث تتولى القوات المسلحة اللبنانية المسؤولية الأمنية الكاملة، مع ضمان عدم وجود أي نشاط عسكري لحزب الله داخل هذه المناطق.
وفي المقابل، تنسحب القوات الإسرائيلية من المواقع التي تسيطر عليها ضمن هذه النطاقات، في إطار ترتيبات متبادلة تهدف إلى خفض التوتر ومنع العودة إلى المواجهة العسكرية. كما اتفق الطرفان على مواصلة المفاوضات المباشرة خلال المرحلة المقبلة لمعالجة الملفات العالقة وبناء إجراءات الثقة تمهيدًا لاتفاق أوسع.
غير أن التفاؤل الذي رافق الإعلان الأمريكي لم يصمد طويلًا أمام الوقائع الميدانية. بعد ساعات فقط من الإعلان عن الاتفاق، عادت التطورات على الأرض لتطرح تساؤلات جدية حول إمكانية تنفيذه. إذ واصلت إسرائيل شن غارات جوية على مناطق في جنوب لبنان والبقاع، فيما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن العمليات العسكرية ستستمر في الوقت الراهن، وهو ما ألقى بظلال من الشك على جدية الالتزام الإسرائيلي ببنود التهدئة.
ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، بل أعلن الجيش الإسرائيلي استمرار نشاطه العسكري في جنوب لبنان، محذرًا السكان من العودة إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني. كما شهدت الأجواء اللبنانية تحليقًا مكثفًا للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت والضاحية الجنوبية، بالتزامن مع سلسلة استهدافات طالت مناطق عدة في النبطية ومحيطها.
وفي المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات استهدفت تجمعات وقوات إسرائيلية في عدد من المحاور الجنوبية، ما يعكس استمرار حالة الاشتباك الميداني رغم الإعلان السياسي عن وقف إطلاق النار.
ومن هنا، يتضح أن التحدي الأكبر أمام الاتفاق لا يكمن فقط في بنوده، بل في حجم التباينات السياسية التي تحيط به، سواء داخل إسرائيل أو لبنان.في الداخل الإسرائيلي، كشف الاتفاق عن انقسام واضح بين أركان الحكومة بشأن جدواه وتداعياته.
في الوقت الذي اعتبر فيه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أن الاتفاق يمثل "خطأً جسيمًا"، مطالبًا بعرضه على المجلس الوزاري الأمني المصغر للتصويت، رأى وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه يشكل "إنجازًا كبيرًا" يعكس الواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل ميدانيًا، وقد يفتح الباب مستقبلًا أمام ترتيبات سياسية أوسع مع الدولة اللبنانية.
ويعكس هذا الانقسام صراعًا داخل المؤسسة الإسرائيلية بين تيار يعتقد أن الوقت مناسب لترجمة المكاسب العسكرية إلى تفاهمات سياسية وأمنية، وتيار آخر يرى أن أي تهدئة في هذه المرحلة قد تفسر على أنها تراجع أمام خصوم إسرائيل، خصوصًا في ظل استمرار التوتر الإقليمي المرتبط بإيران وحلفائها.
وعلى الجانب اللبناني، لا تبدو الصورة أكثر توافقًا.بينما أبدت الدولة اللبنانية انفتاحًا على المسار التفاوضي، جاءت مواقف حزب الله لتؤكد وجود فجوة كبيرة في النظرة إلى الاتفاق.
قد شدد الأمين العام للحزب على أن نتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل مرفوضة من شرائح واسعة من اللبنانيين، مؤكدًا أن المقاومة ستواصل مواجهة الاحتلال، رافضًا أي محاولة للربط بين وجودها العسكري وبين وقف العدوان أو الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، أبدى الرئيس اللبناني دعمًا واضحًا للمسار الذي ترعاه واشنطن، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستتولى تحديد آلية تنفيذ وقف إطلاق النار، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيكون الضامن المباشر لهذا الاتفاق.
كما أشار إلى أن لبنان اقترح إقامة مناطق تجريبية للتهدئة في زوطر الغربية وزوطر الشرقية ومحيط قلعة الشقيف، في محاولة لاختبار فرص نجاح الترتيبات الأمنية الجديدة على الأرض.
ومع تصاعد الجدل حول مستقبل الاتفاق، يبرز سؤال يتعلق بالخلفيات الإقليمية التي دفعت واشنطن إلى التحرك بهذا الزخم.الكثير من المؤشرات توحي بأن هذا الاتفاق لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع المرتبط بإيران، خاصة في ظل المساعي الأمريكية لاحتواء تداعيات المواجهة الإقليمية ومنع انتقالها إلى ساحات جديدة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار بمعزل عن الحسابات الإقليمية الأوسع، إذ تبدو واشنطن حريصة على تحييد الساحة اللبنانية عن أي مواجهة محتملة مع إيران، بما يمنع تحول جنوب لبنان إلى جبهة مفتوحة قد تعقد أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة وتهدد مساعيها لاحتواء التوتر المتصاعد.
إلا أن هذه المقاربة الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع الرؤية الإسرائيلية.بينما تسعى واشنطن إلى تثبيت التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية، خصوصًا في ما يتعلق بالملف الإيراني، وهو ما يفسر جانبًا من الضغوط الإسرائيلية المستمرة على الإدارة الأمريكية بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية وآليات تنفيذها.
وتزداد هذه القراءة وضوحًا في ضوء تصريحات نتنياهو الأخيرة، التي أكد فيها أن القوات الإسرائيلية والأمريكية لا تزال في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع أي تطورات مرتبطة بإيران عند الحاجة.
وهي تصريحات تعكس أن الهدوء المطلوب على الجبهة اللبنانية لا يعني بالنسبة لتل أبيب تراجع المخاوف الأمنية، بل يمثل جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات استعدادًا لأي سيناريو إقليمي محتمل.
وفي المقابل، لا تبدو طهران مستعدة للتعامل مع الملف اللبناني باعتباره قضية منفصلة عن المشهد الإقليمي الأشمل. إيران تربط بصورة واضحة بين أي تهدئة دائمة في لبنان وبين طبيعة التفاهمات التي قد تتوصل إليها مع الولايات المتحدة، معتبرة أن الساحة اللبنانية تمثل إحدى أوراقها الاستراتيجية الأساسية في المنطقة.
ولذلك، فإن أي محاولة لفصل المسارين اللبناني والإيراني تواجه تعقيدات سياسية وأمنية، انعكست خلال الفترة الأخيرة في تعثر بعض قنوات الاتصال غير المباشرة بين الأطراف المعنية.
وأمام هذا التشابك بين الحسابات المحلية والإقليمية، يصبح مصير الاتفاق مرتبطًا بجملة من الاختبارات الصعبة. أولها قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرة فعلية داخل المناطق المشمولة بالاتفاق وترجمة التعهدات الأمنية إلى واقع ميداني ملموس. وثانيها مدى التزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية والانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها، بما يعكس جدية الانخراط في مسار التهدئة.
أما الاختبار الثالث، والأكثر حساسية،يتعلق بموقف حزب الله ومدى استعداده للتعامل مع ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، في ظل تمسكه بخطابه الرافض لربط سلاحه أو دوره الميداني بأي تفاهمات سياسية أو أمنية.
وعليه، لا يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار قد تجاوز حتى الآن حدود التفاهم السياسي النظري، إذ لا تزال الوقائع على الأرض تكشف عن فجوة واضحة بين النصوص المعلنة والواقع الميداني.استمرار العمليات العسكرية، والانقسام الإسرائيلي حول جدوى الاتفاق، والتحفظات اللبنانية والإيرانية على بعض بنوده، كلها مؤشرات على أن الطريق نحو تثبيت التهدئة لا يزال طويلًا ومعقدًا.
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن الاتفاق الذي صمم لمنع اندلاع مواجهة أوسع، قد يتحول هو نفسه إلى ساحة اختبار للصراع الإقليمي الدائر خلف الكواليس.مصيره لن يتحدد فقط في قرى الجنوب اللبناني أو غرف التفاوض في واشنطن، بل أيضًا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، وفي حسابات نتنياهو السياسية والعسكرية، وفي قدرة الأطراف كافة على التوفيق بين مصالحها المتعارضة. وحتى تتضح ملامح هذه المعادلة المعقدة، سيبقى الاتفاق معلقًا بين احتمالين، إما أن ينجح في فتح نافذة نادرة نحو استقرار طال انتظاره، أو أن يكون مجرد استراحة مؤقتة تفرضها الظروف السياسية، قبل أن تعود التناقضات نفسها لتفرض واقعًا مختلفًا على الارض.










0 تعليق