الأزمة المعقدة.. الجبهة اللبنانية أمام منعطف جديد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

رغم نجاح وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في احتواء خطر اندلاع حرب إقليمية واسعة، فإن المنطقة لا تزال تعيش على وقع تصعيد عسكري وسياسي متسارع يهدد بإعادة إشعال المواجهة من بوابة لبنان.

وبينما تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران سعيًا لترسيخ التهدئة والتوصل إلى اتفاق أوسع، صعدت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل لبنان ووسعت دائرة استهدافاتها لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.

ومع إصرار إيران على ربط أي اتفاق نهائي بوقف التصعيد في لبنان وغزة، وتحذيرها من أن أي خرق للتهدئة سيقابل برد واسع، تبدو الساحة اللبنانية اليوم العقدة الأكثر تعقيدًا في المشهد الإقليمي، والاختبار الحقيقي لمستقبل التفاهمات الأمريكية الإيرانية.

وتعكس التطورات الميدانية الأخيرة هشاشة التهدئة القائمة بين واشنطن وطهران، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" تنفيذ ضربات استهدفت مواقع للرادارات ومنشآت للقيادة والسيطرة الخاصة بالطائرات المسيرة في منطقتي غوروك وجزيرة قشم جنوب إيران، مؤكدة أن العملية جاءت ردًا على إسقاط طائرة أمريكية مسيرة فوق المياه الدولية.

ولم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، حيث أعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة جوية قال إنها استخدمت في الهجوم الأمريكي على برج اتصالات في جزيرة سيريك، في مؤشر واضح على أن وقف إطلاق النار لم ينجح بعد في إنهاء منطق الردع المتبادل بين الطرفين، بل اقتصر على منع انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة.

وفي موازاة هذا التصعيد العسكري المحدود، برزت مفارقة لافتة تمثلت في استمرار المسار الدبلوماسي بين الجانبين. بينما تتواصل الضربات والرسائل العسكرية، تستمر المفاوضات الأمريكية الإيرانية الهادفة إلى التوصل لمذكرة تفاهم تنهي الأعمال العدائية وتضع إطارًا لمعالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة البحرية في الخليج.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب "أن إيران لا تزال راغبة في التوصل إلى اتفاق، معتبرًا أن أي تفاهم محتمل سيكون مفيدًا للولايات المتحدة وحلفائها. إلا أن مسؤولين أمريكيين كشفوا أن تعديلات جديدة طلبها ترامب على مسودة الاتفاق، تتعلق بتشديد الالتزامات الإيرانية بشأن برنامجها النووي وضمانات حرية الملاحة في مضيق هرمز، أدت إلى تمديد جولة المفاوضات الحالية لأسبوع إضافي.

غير أن مسار التفاوض لا يبدو منفصلًا عن التطورات الميدانية في المنطقة، إذ برزت الساحة اللبنانية خلال الأيام الأخيرة بوصفها الحلقة الأكثر حساسية في المشهد الإقليمي.قد واصل الاحتلال الإسرائيلي تصعيد عملياته العسكرية في لبنان، وأصدر إنذارات جديدة لإخلاء قرى وبلدات جنوبية، في خطوة تعكس توجهًا نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية.

ولم يقتصر التصعيد على الجنوب اللبناني، بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورة بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إصدار أوامر مباشرة للجيش الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.

كما أكد نتنياهو أن حكومته تعمل على تعميق عملياتها العسكرية في جنوب لبنان بهدف القضاء على ما وصفها بمعاقل حزب الله، مشددًا على أن إسرائيل لن تسمح باستمرار الهجمات عليها بينما تبقى مواقع الحزب في بيروت والضاحية بمنأى عن الاستهداف.

وتشير هذه الخطوات إلى أن إسرائيل تسعى لفرض معادلة جديدة في لبنان، وهو ما دفع طهران إلى رفع سقف تحذيراتها السياسية والعسكرية.

قد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة يجب أن يفهم باعتباره وقفًا شاملًا على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، محذرًا من أن أي خرق على جبهة واحدة سيعد خرقًا للاتفاق بأكمله.

كما شدد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية على أن بلاده لن تتسامح مع استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، محملًا الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أي تداعيات قد تترتب على انتهاك التفاهمات القائمة.

وفي السياق نفسه، أكدت مصادر إيرانية أن طهران تدرس "خيارات الرد" على التصعيد الإسرائيلي، بينما نقلت وكالة "تسنيم" عن مسؤولين ومفاوضين إيرانيين تأكيدهم أن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزة يمثل شرطًا أساسيًا لأي تفاهم نهائي مع واشنطن.

وتكشف هذه المواقف أن الملف اللبناني لم يعد مجرد ساحة مواجهة منفصلة، بل تحول إلى عنصر رئيسي في معادلة التفاوض الإقليمي.إيران تسعى إلى إدراج لبنان ضمن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة، بينما تحاول إسرائيل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية محتملة.

وتزداد خطورة المشهد مع التقارير التي تتحدث عن احتمال انخراط جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن بصورة أوسع في المواجهة، وهو ما قد يفتح جبهات إضافية تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج العربي، ويهدد حركة الملاحة الدولية وممرات الطاقة العالمية.

كما تتحدث تقارير إيرانية عن خيارات تصعيدية قد تشمل مضيق هرمز ومضيق باب المندب إذا استمر التصعيد الإسرائيلي واتسعت دائرة المواجهة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المفاوضات السياسية مع الحسابات العسكرية بصورة غير مسبوقة. فالتفاهمات الأمريكية الإيرانية ما زالت قائمة وتمثل فرصة حقيقية لتثبيت التهدئة، إلا أن التطورات المتسارعة على الجبهة اللبنانية قد تعيد خلط الأوراق وتدفع مختلف الأطراف نحو خيارات أكثر تصعيدًا.

وبينما تتقدم المفاوضات خطوة وتتراجع أخرى تحت ضغط الميدان، يبدو أن الشرق الأوسط يقف على حافة معادلة جديدة تتجاوز حدود التفاهم الأمريكي الإيراني.

التصعيد في لبنان لم يعد مجرد ملف جانبي في الأزمة، بل تحول إلى عنصر حاسم في تحديد مصير التهدئة الإقليمية بأكملها.

ومع تشابك المصالح والحسابات العسكرية والسياسية، تزداد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات أو أي تصعيد غير محسوب إلى نسف مسار التفاوض وإعادة المنطقة إلى دوامة الصراعات المفتوحة، في لحظة تبدو فيها احتمالات الانفجار الإقليمي أقرب من أي وقت مضى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق