.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في مجتمعنا اليوم، لم تعد "السِلفة" مجرد خطوة مؤقتة لعلاج ضيق مالي عابر أو ظروف طارئة، بل تحولت الديون إلى نمط حياة، واعتماد متبادل، وهيكل اجتماعي موازي ومأساة للاسف يعيشها ملايين المواطنين في صمت.
وهذا ما تقوله الأرقام، فهي لا تجامل بل تتحدث بصراحة موجعة فنحن أمام حوالي 64 مليون شخص، يتعاملون خارج القطاع المصرفي الرسمي، ويلجأون كبديل حتمي إلى شركات السلف ومنصات التقسيط، وتطبيقات الاقتراض
هذه الظاهرة الخطيرة لم تعد مجرد تفصيلة اقتصادية عابرة، بل هي قنبلة موقوتة مؤجلة الانفجار، وتستحق أن تطرح بقوة وبلا مواربة أمام الرأي العام وصناع القرار.
مشهد استثنائي.. أصبح واقعاً طبيعياً بالمجتمع
المشهد بعد أن كان الاقتراض "عاراً وعيباً"، أصبح واقعاً لم يعد غريباً بل تحول إلى "طبيعي" بصورة مخيفة تعكس تبدلاً عميقاً في بنية الشخصية المصرية وخاصة داخل المجتمعات القبلية. لقد تغير شكل الفقر فلم يعد المواطن الفقير هو ذلك الذي لا يملك عمل أو مال، بل برزت فئة جديدة يمكن تسميتها بـ "الفقر الوظيفي"
"الفقر الوظيفي" وصف مواطن يملك راتب شهرياً منتظماً، لكنه راتب عاجز لا يكفي لتغطية متطلبات أسبوعين، ليظل بقية الشهر أسيراً للديون والتطبيقات الذكية وشركات التمويل
هذه الشركات والمنصات تعمل بفوائد مركبة مرتفعة، وتفرض على عملائها أقساط مرهقة تدخل المواطن في "حلقة مفرغة" لا تنتهي من السداد، هنا يتحول راتب الشهر القادم تلقائياً إلى "دين قديم"، ليعود المواطن ويبدأ رحلة البحث عن سلفة جديدة.. وهكذا تدور التروس في ساقية ممتدة لتصبح ديون مستدامة
إننا نقف وجهاً لوجه أمام أزمة حقيقية تواجه المجتمع واقتصاد موازي يقوم على (الاستدانة الشعبية)، ينشأ بعيداً عن الرقابة الصارمة للبنوك الرسمية، ويتحرك في بيئة تفتقر إلى الثقافة المالية الحقيقية بتوعية المواطنين.
الأبعاد النفسية.. مجتمع بلا أمان
الأمر هنا احساس بالقلق القضية ليست أرقام ومؤشرات اقتصادية بقدر ما هو "جرس انذار" لصناعة القرار بضرورة التدخل العاجل لوضع حد لهذه الظاهرة فهي أزمة اجتماعية ونفسية حادة تتوغل في صمت داخل الأسرة المصرية، اننا نرى الآن قرارات "جنونية" ومأساوية يتخذها البعض نتيجة الضغوط النفسية الرهيبة التي يعيشونها، في مواجهة أساليب الترهيب والتشهير التي تمارسها بعض هذه الشركات في المدن والقرى مع المتعثرين.
حقيقي أي مجتمع يعيش أغلبه تحت وطأة الأقساط الضاغطة، هو مجتمع سيفقد تدريجياً شعوره بالأمان الاجتماعي والاستقرار النفسي، فالديون تنهك " كاهل الأسرة "
وأيضاً تسمم العلاقات الاجتماعية، وتخلق الازمات وحالة عامة من القلق والتوتر المزمن، والعجز، والغضب المكتوم.
الرفاهية المفقودة.. الاستدانة من أجل البقاء
لا أحد يرفض فكرة التمويل أو التقسيط كأداة اقتصادية مشروعة لتحريك الأسواق، لكن الخطر الحقيقي يكمن في غياب الوعي بالشمول المالي، والذي يبدأ عندما ينحرف الاقتراض عن مساره، من تمويل "الكماليات والسلع المعمرة" إلى الإنفاق على "الأساسيات اليومية".
حين يقترض المواطن ليأكل، أو ليدفع فاتورة الكهرباء، أو ليشتري جرعة دواء، فنحن لا نتحدث هنا عن "رفاهية تمويلية أو تسهيلات ائتمانية" بل نحن أمام مؤشر إنذار اقتصادي واجتماعي، يجب أن يُناقش على أعلى المستويات، وبأعلى درجات الشفافية..
خارطة الطريق المطلوبة كي نبدأ في حل
المطلوب اليوم يتجاوز مجرد "ضبط سوق شركات السلف" أو وضع سقف لفوائدها، المطلوب هو فتح حوار مجتمعي وسياسي حقيقي يعيد تقييم المشهد من جذوره، حوار يضع على طاولة البحث عدداً من الملفات الرئيسية
مستوى الدخول ومدى ملاءمتها للواقع المعيشي..تكاليف المعيشة الحقيقية والعمل على الحد من موجات التضخم...شبكات الحماية الاجتماعية ورفع فاعلية وصولها إلى مستحقيها....الوعي والثقافة المالية لحماية المواطن من فخاخ الإعلانات البراقة، ووقف استقطاب شباب القرى لجر المواطنين إلى هذا الفخ.
عمل ضوابط حازمة لفرض حدود للتوسع في منظومة الإقراض الاستهلاكي غير المصرفي، فإن الشعوب لا يمكنها أن تعيش إلى الأبد بـ "السلف والديون" وتبقى الحقيقة الأكثر حزناً وألماً حين يتحول الدين من حل استثنائي إلى أسلوب حياة، حينها يفقد المواطن حريته وقدرته على الاختيار بالتدريج ويصبح "المستقبل" أمام المواطنين مجرد.. قسط مؤجل.
















0 تعليق