.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في لحظة تشهد فيها السينما المصرية تحولات متسارعة، بين تطور التكنولوجيا وتغير ذوق الجمهور واشتداد المنافسة العالمية، يبرز سؤال مهم: كيف يمكن إعادة بناء صناعة سينمائية قادرة على الحفاظ على هويتها ومواكبة العصر في آنٍ واحد؟
من داخل أروقة المعهد العالي للسينما، أحد أهم القلاع الفنية التي خرجت أجيالًا صنعت تاريخ الشاشة المصرية، يكشف الدكتور هشام عنين للـ"الدستور"عن ملامح خطة تطوير شاملة تستهدف إعادة صياغة العملية التعليمية وربطها بسوق العمل، مع فتح آفاق جديدة أمام الطلاب لمواكبة التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي والصناعة العالمية.
ما هي الرؤية العامة التي تنطلق منها خطة تطوير المعهد العالي للسينما؟
تنطلق خطة تطوير المعهد العالي للسينما من رؤية استراتيجية متكاملة تتفق مع توجهات أكاديمية الفنون والسياسات العامة لكلٍ من وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتهدف إلى ترسيخ مكانة المعهد كمؤسسة أكاديمية رائدة في التعليم السينمائي والفني على المستويين الإقليمي والدولي. وترتكز هذه الخطة على تعزيز الريادة في إنتاج المعرفة واستثمارها، ورفع القدرة التنافسية للمعهد دوليًا، بما يسهم في تطوير جودة التعليم الفني، ودعم الابتكار والإبداع، والمواءمة مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية الدولة لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.
كما تنطلق الخطة من إيمان راسخ بأن بناء جيل واعٍ بدور الفن كأحد أهم أدوات القوة الناعمة يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الثقافة والهوية الوطنية؛ إذ يسعى المعهد إلى إعداد كوادر فنية ومبدعين يمتلكون الوعي برسالة الفن في تشكيل الوجدان المجتمعي، وترسيخ القيم الإنسانية، وتعزيز الانتماء والهوية الثقافية، بما يؤهلهم للقيام بدور مؤثر في بناء الوعي العام وتمثيل الدولة ثقافيًا وحضاريًا على المستويين المحلي والدولي.
على صعيد التعليم والبحث العلمي.. ما هي أبرز التغييرات الهيكلية المرتقبة؟
يشهد هذا المحور ثورة حقيقية تشمل 15 بندًا جوهريًا، أبرزها:
تحديث اللوائح: تعديل اللائحة التعليمية لمرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا لتناسب التكنولوجيا المتاحة بمبنى المعهد العالي للسينما الجديد.
تطوير المقررات: ربط المناهج بسوق العمل وإشراك الخريجين وجهات العمل في العملية التعليمية، والتعريف بأحدث التقنيات الحديثة التي يتم استحداثها في السينما العالمية.
نظام القبول: تبسيط اختبارات القبول، وتحديد سن 26 عامًا لنظام "الموازي" لضمان التجانس الفكري بين الطلاب.
إدارة المشروعات: حصر مشروعات التخرج في الفصل الدراسي الثاني لضمان جودتها وتفادي ضغط النتائج، مع بدء الاستعدادات النظرية لها في الفصل الأول.
التميز الأكاديمي: إنشاء برامج بينية وتعليمية جديدة، وتشجيع النشر الدولي والمؤتمرات العلمية، وتفعيل وحدة ريادة الأعمال لتعزيز المهارات الإبداعية، واقامة مهرجان دولي خاص بطلاب ودارسي السينما حول العالم، بالإضافة الي تفعيل دور المعهد دوليا من خلال الاشتراك في المنصات والاتحادات الدولية مثل: اتحاد معاهد السينما في العالم (السيلكت) مما يعكس اهمية التواجد الدولي للمعهد من خلال التعاون المشترك بين معاهد الاتحاد وتبادل الخبرات والنشر الدولي.
التكنولوجيا هي عصب الصناعة اليوم، كيف سيتم دمجها في العملية التعليمية بالمعهد؟
من خلال الانتقال الرقمي الكامل:
تطوير البنية التحتية ودمج الوسائط المتعددة والتعليم الهجين (عبر منصات إلكترونية).
استكمال المرحلة الثانية من تجهيز معدات الأقسام العلمية بأحدث التقنيات، مثل تجهيز قسم للجرافيك بالمعهد.
إنشاء وحدة دعم فني متخصصة لصيانة الأجهزة والحفاظ على الأصول التكنولوجية.
كيف تخطط إدارة المعهد لردم الفجوة بين الدراسة الأكاديمية وسوق العمل الفعلي؟
يتم ذلك عبر استراتيجية "الربط المباشر"، والتي تتضمن:
- إبرام شراكات مع الكيانات الإنتاجية الكبرى للإشراف على أفلام الطلاب وتسويقها.
- الاستعانة بخبراء السوق لتدريب الطلاب داخل المعهد وتفعيل "التدريب الميداني" الخارجي.
- الاستعانة بخبراء أجانب في التخصصات المختلفة للمعهد، من أجل رفع كفاءة العملية التعليمية.
- إنشاء إدارة للعلاقات العامة تكون حلقة الوصل بين الخريجين وجهات التشغيل.
- إقامة ملتقي خريجي وطلاب المعهد العالي للسينما سنويا لخلق فرص عمل وتدريب لطلاب المعهد من خلال عرض اعمالهم على كبار فناني وصناع السينما في مصر والوطن العربي.
في ظل التوجه لتعظيم الموارد، ما هي المصادر المالية التي سيعتمد عليها المعهد؟
نسعى لتحويل المعهد إلى مؤسسة منتجة من خلال:
طرح برامج تعليمية مميزة بمصروفات وورش متخصصة في صناعة الأفلام.
تحويل الوحدات الفنية (قاعة الدولبي، استوديوهات الصوت والمونتاج) إلى "وحدات ذات طابع خاص" تدر دخلًا بجانب غرضها التعليمي.
استقطاب الطلاب الوافدين (عرب وأجانب) للدراسة بالمعهد بالعملة الأجنبية.
ما هو الدور المجتمعي الذي سيلعبه المعهد في المرحلة المقبلة؟
المعهد لن يكون معزولًا عن بيئته، بل سيعمل على:
- تنظيم عروض جماهيرية لأفلام الطلاب في المحافظات، والنوادي، والمناسبات القومية.
- تنظيم معارض للتصوير الفوتوغرافي.
- إطلاق "مهرجان دولي لأفلام الطلبة".
- تقديم ورش تدريبية للعاملين بالفعل في سوق العمل والمشاركة في المبادرات الخيرية.
- استحدث المعهد صالون الثقافة السينمائية، والذي يعقد شهريا حيث يلتقي فيه الطلاب بمحبي السينما في مصر ويتم طرح اهم الموضوعات السينمائية للمناقشة واختيار الضيوف يتم بما يتناسب مع الموضوعات المطروحة.
ما هي النتائج الملموسة المتوقعة بعد تنفيذ هذه الخطة التي تستمر لثلاث سنوات؟
نتوقع ست نتائج استراتيجية كبرى:
تكامل الأقسام: عبر البرامج البينية وتنمية الموارد الذاتية.
خريج تنافسي: مؤهل دوليًا وقادر على تلبية احتياجات السوق.
حضور دولي: تفعيل دور المعهد في المحافل الفنية العالمية.
بيئة ابتكارية: دعم ريادة الأعمال والبحث العلمي السينمائي.
كوادر مؤهلة: تنمية مستمرة لقدرات أعضاء هيئة التدريس.
الاعتماد والجودة: الحصول على الاعتماد المؤسسي والبرامجي لمواكبة المعايير العالمية.
كيف تتخيل شكل السينما المصرية بعد عشر سنوات؟
نتطلع إلى أن تستعيد السينما المصرية خلال العقد المقبل مكانتها الريادية إقليميًا ودوليًا، وأن تصبح صناعة أكثر تطورًا وتأثيرًا وقادرة على المنافسة العالمية. كما نطمح إلى إعداد جيل جديد من المبدعين القادرين على تقديم محتوى يعبر عن الهوية المصرية برؤية عصرية، بما يعزز مكانة مصر كمركز رائد للصناعة السينمائية وأحد أبرز روافد قوتها الناعمة.
ما الفرق بين من يصنع فيلمًا ومن يصنع سينما؟
الفرق بين من يصنع فيلمًا ومن يصنع سينما هو أن الأول قد ينجح في إنتاج عمل فني منفرد، أما الثاني فيسهم في بناء صناعة ورؤية وثقافة ممتدة.
فصناعة السينما لا تقتصر على إنتاج الأفلام، بل تشمل تكوين أجيال من المبدعين، وتطوير لغة بصرية وفكرية، وترسيخ هوية فنية قادرة على الاستمرار والتأثير وتشكيل وعي مجتمع بأكمله.
ما الفيلم المصري الذي تعتبره مدرسة متكاملة في السينما.. ولماذا؟
أرى أن أفلام مثل: فيلم "المومياء" للمخرج شادي عبد السلام وفيلم "بين القصرين" للمخرج حسن الإمام وفيلم "الأرض" للمخرج يوسف شاهين يمثلون مدارس اخراجية متكاملة.
ففيلم "المومياء" يُعد مدرسة متكاملة في السينما المصرية؛ لأنه نموذج استثنائي لاجتماع الرؤية الفكرية مع الجماليات البصرية والانضباط الفني في كافة عناصر العمل. فقدّم لغة سينمائية راقية، وهوية بصرية شديدة الخصوصية، ومعالجة عميقة للهوية والتاريخ والانتماء، بما يجعله عملًا يُدرَّس بوصفه تجربة سينمائية متكاملة تتجاوز حدود الفيلم إلى مفهوم الفن السينمائي ذاته.
وفيلم "بين القصرين" يُعد من أبرز النماذج الكلاسيكية الجماهيرية التي تمثل مدرسة متكاملة في السينما المصرية؛ لما يجمعه من ثراء درامي، وبناء سردي محكم، وأداء تمثيلي رفيع، وقدرة استثنائية على المزج بين القيمة الفنية والجاذبية الجماهيرية. وهو نموذج واضح لكيف يمكن للسينما أن تكون راقية ومؤثرة وشعبية في الوقت ذاته.
وفيلم "الأرض" للمخرج يوسف شاهين يمثل مدرسة إخراجية متكاملة في السينما المصرية؛ لما يحمله من براعة استثنائية في إدارة الصورة، وتوظيف المكان، وبناء الإيقاع البصري والدرامي، إلى جانب قدرته على تحويل النص إلى تجربة سينمائية نابضة بالحياة والرمزية. إنه نموذج واضح لكيف يمكن للمخرج أن يطبع العمل برؤيته الخاصة ويجعل من الفيلم تجربة فنية متكاملة تتجاوز حدود الحكاية.
هل الدراسة الفنية تحتاج موهبة فقط أم قدرة على التحمل أيضًا؟
الدراسة الفنية لا تعتمد على الموهبة فقط، بل هي مزيج بين الموهبة والقدرة على التحمل والانضباط. فالموهبة تمنح البداية، بينما التحمل والاستمرارية هما ما يصنعان الفنان الحقيقي القادر على التطور ومواجهة ضغوط العمل والتدريب المستمر حتى الوصول إلى التميز، فالاستمرارية والانضباط هما ما يصنعان الفارق بين موهبة عابرة ومسار فني مؤثر ومستدام.
ما أخطر أزمة تواجه السينما المصرية حاليًا من وجهة نظرك؟
في تقديري أن من أخطر الأزمات التي تواجه السينما المصرية حاليًا هي الفجوة بين التطور التقني المتسارع عالميًا وبين مستوى المحتوى والبناء الدرامي في بعض الأعمال.
فبينما تتطور أدوات الإنتاج والتقنيات بشكل ملحوظ، يظل التحدي الحقيقي مرتبطًا بعمق الفكرة وجودة الكتابة والقدرة على تقديم محتوى يعكس الواقع ويواكب التحولات الاجتماعية والثقافية، مع الحفاظ على الهوية الفنية للسينما المصرية وقدرتها التنافسية
كيف ترى تأثير السوشيال ميديا على ذوق الجمهور السينمائي؟
أصبح تأثير السوشيال ميديا على الذوق السينمائي للجمهور تأثيرًا مزدوجًا؛ فهي من ناحية ساهمت في توسيع دائرة التفاعل مع الأفلام وإتاحة مساحات أوسع للنقد والنقاش، لكنها في الوقت نفسه فرضت نوعًا من التوجه السريع نحو التقييمات اللحظية والانطباعات السطحية أحيانًا.. وبين هذا وذاك، أصبح التحدي الحقيقي أمام السينما هو قدرتها على الحفاظ على عمقها الفني، في بيئة تزداد فيها السرعة والتأثير اللحظي، دون أن تفقد قدرتها على التراكم والتأثير طويل المدى.
من وجهة نظرك.. ما أكثر مرحلة ذهبية مرت بها السينما المصرية؟
يصعب حصر “المرحلة الذهبية” في فترة واحدة، لكن يمكن القول إن السينما المصرية عاشت ذروتها الحقيقية حين كانت قريبة من الناس وفي الوقت نفسه شديدة الوعي بفنها، وهو ما تجلّى بوضوح في حقبة الستينيات والسبعينيات.
ففي هذه الفترة تلاقت عناصر الإبداع بشكل متكامل: قوة في الكتابة، وعمق في الرؤية، وثراء في الأداء التمثيلي وكان هناك توازن لافت بين الحضور الجماهيري والبحث الفني، وظهرت أعمال تحمل هوية واضحة ورؤية إنسانية عميقة، مع جيل من المبدعين استطاع أن يصنع لغة سينمائية مصرية خالصة ومؤثرة.
هل دخل الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى مشاريع الطلاب داخل المعهد؟
بالفعل دخل الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية تدريجيا خلال السنوات الماضية وتمت إضافته لتوصيفات المقررات.. كما ان الطلاب يستخدمونه في عمل مشروعات التخرج ولكن بضوابط محددة تبرز مهارات الطلاب المكتسبة من خلال العملية التعليمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
كما قامت أكاديمية الفنون مؤخرا بإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي لطلاب الاكاديمية، متضمنا طلاب المعهد العالي للسينما. وننتظر التأثير الإيجابي لهذا المركز على العملية التعليمية ومشروعات تخرج الطلاب.
هل توجد فجوة بين ما يدرسه الطالب داخل المعهد وما يواجهه فعليًا في سوق السينما؟
يمكن القول إن ما يُطرح حول وجود فجوة بين الدراسة الأكاديمية وسوق العمل في مجال السينما هو أمر نسبي يرتبط بطبيعة أي مجال إبداعي يتطور بسرعة.
فالدراسة داخل المعهد تضع الأساس العلمي والفني وبناء المهارات الإبداعية، بينما يعكس سوق السينما واقعًا متغيرًا يعتمد على الممارسة المباشرة والتجربة الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، تعمل إدارة المعهد على تقليص أي فجوة محتملة من خلال تعزيز الجانب التطبيقي، وتوسيع فرص التدريب الميداني، وربط الطلاب ببيئة العمل السينمائي الفعلي، بما يضمن تخريج كوادر قادرة على الاندماج بسلاسة في سوق الصناعة ومواكبة متطلباته المتجددة.
ما أكثر نصيحة توجهها لطالب يريد دخول عالم السينما؟
أهم ما يمكن نصح أي طالب يرغب في دخول عالم السينما هو أن يتعامل مع هذا المجال باعتباره رحلة طويلة تحتاج إلى صبر بقدر ما تحتاج إلى شغف.
فالسينما ليست مجرد رغبة في الإبداع، بل هي ممارسة مستمرة، وقراءة واسعة، ومشاهدة واعية، وتجريب لا يتوقف.
والنصيحة الأهم: لا تتعجل الوصول، وامنح نفسك وقتًا لتتعلم وتخطئ وتجرّب، لأن كل خطوة في هذا المجال تُشكّل جزءًا من ملامحك كمبدع وكذلك تكوينك الفني. وفي النهاية، الاستمرارية والانفتاح على التعلم هما الطريق الحقيقي للدخول إلى عالم السينما بشكل مؤثر ومستدام.















0 تعليق