الإعلام والأمن الثقافى.. مَن يصنع الذوق العام؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

إذا كانت معركة الأمن الثقافى تبدأ بالعقل الناقد فى المدارس، وتنتقل عبر المنصات الرقمية التى تشكل الهوية، فإن المرحلة التالية تقع مباشرة فى ساحة الإعلام. هنا، حيث تتشكل الذائقة، وتُرسخ المعتقدات، وتُصنع القيم اليومية التى يراها المواطن طبيعية ومقبولة. ويجدر السؤال الآن: مَن يتحكم فى هذه الساحة، ومَن يحدد ما يصبح مقبولًا وما يُهمَّش؟

الإعلام، فى جوهره، هو أداة لنقل المعلومات، لكنه اليوم أصبح أيضًا أداة لتوجيه الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات. كل خبر، كل صورة، كل تقرير، يحمل بين طياته ما يُراد أن يُستقبَل، ليس فقط أن يُقرأ. وفى هذا التوجيه، تكمن الخطورة الكبرى: حين يتحول الإعلام من مرآة للواقع إلى صانع للواقع.

الذوق العام لم يعد نتاج مجتمع متفاعل وحوارات ثقافية حية، بل نتاج «خطة تحريرية» غالبًا ما تتبع منطق الربح أو السياسة، وليس القيمة أو الجودة. وهذا ما يجعل الأمن الثقافى هشًا، حتى لو كانت المؤسسات الثقافية صلبة، والمناهج التعليمية قوية. العقل، مهما كان ناقدًا، يتعرض يوميًا لغسيل متكرر من خلال الإعلام، وإذا لم يكن هناك وعى متجذر، يصبح الانحدار نحو السطحية أمرًا حتميًا.

الدهشة الكبرى أن الإعلام الحديث لا يحتاج إلى القوة، بل إلى السرعة والجاذبية. المحتوى الجاذب، السريع، المؤثر بصريًا، ينتشر أكثر من المحتوى الجاد العميق. هنا يظهر الزيف الناعم مرة أخرى، هذه المرة فى صورة إعلامية، حيث يتم تبسيط القيم، تسطيح المفاهيم، وتحويل ما هو مهم إلى مجرد مادة للترفيه.

كما أن الإعلام، وبخاصة المرئى والمسموع، يعيد إنتاج الصور النمطية، ويحدد معايير الجمال، والنجاح، والذكاء، بطريقة دقيقة، بحيث تصبح هذه المعايير مقبولة تلقائيًا، وتصبح القيم التقليدية أو الجدية فى كثير من الأحيان هامشية. وهنا، يتحول الذوق العام من اختيار واعٍ إلى صناعة مدروسة مسبقًا، دون أن يشعر المواطن.

ويصبح أخطر ما يواجه الأمن الثقافى اليوم أن الإعلام لم يعد فى كثير من الأحيان وطنيًا فقط، بل أصبح عالميًا، متشابكًا مع ثقافات أخرى، وأحيانًا يحمل مصالح لا علاقة لها بالهوية الوطنية أو بالقيم الثقافية المحلية. فى هذا الامتزاج، يصبح المواطن عرضة لتأثيرات تتسلل بهدوء إلى عقله ووجدانِه، حتى يشكل وعيًا غير متوازن.

لكن، هل كل هذا يعنى أن الإعلام عدو للأمن الثقافى؟ بالتأكيد لا. بل على العكس، يمكن للإعلام أن يكون حليفًا قويًا إذا استخدم بوعى واستراتيجية واضحة. هنا يظهر الفرق بين الإعلام «المنفعل» الذى يترك نفسه لسطوة السوق أو الخوارزميات، والإعلام «الفاعل» الذى يخطط، ويبتكر، ويؤثر.

ونقف وقفة ملهمة هنا لنقول إن مواجهة هذا التحدى تتطلب خطوات حاسمة:
أولًا: إنتاج محتوى إعلامى ثقافى جذاب، لا يكتفى بالنقل، بل يؤثر ويحفز التفكير، ويكون منافسًا للمحتوى السطحى السائد.

ثانيًا: تدريب الصحفيين ومقدمى المحتوى على القراءة النقدية والتحليل العميق، بحيث لا يكونوا مجرد ناقلين للأخبار، بل صناع وعى.

ثالثًا: تنسيق السياسات الإعلامية مع المؤسسات الثقافية والتعليمية، بحيث يكون هناك جسر واضح بين المعرفة المكتسبة والمحتوى الإعلامى المتاح للجمهور.

رابعًا: استخدام الإعلام الرقمى بطريقة استراتيجية، عبر منصات التواصل، لتوسيع قاعدة المستفيدين، وخلق محتوى قابل للتفاعل، دون أن يفقد العمق والقيمة.

خامسًا: تشجيع المبادرات المجتمعية الإعلامية، التى تعطى صوتًا للشباب والمواهب المحلية، بحيث يشعر المواطن أنه جزء من صناعة الذوق العام، لا مجرد متلقٍ له.

أما الخاتمة، فهى تحذيرية بقدر ما هى واقعية:
لن يتحقق الأمن الثقافى إذا استمر الإعلام فى السيطرة على الذوق العام بلا رقابة ولا استراتيجية واضحة. كل منصّة، كل قناة، كل نافذة إعلامية لها القدرة على التأثير فى عقل ووجدان المواطن، وما لم يتم توجيه هذا التأثير نحو البناء والوعى، سيظل خطر الزيف الناعم يتسلل من جديد، وهذه المرة عبر الصورة، والصوت، والإيقاع الإعلامى نفسه.

إن حماية الذوق العام، وتأمين وعى المواطن، ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية، لأن الإعلام اليوم هو القوة التى تصنع الواقع، وتعيد ترتيب الأولويات، وتحدد من سيكون مؤثرًا فى المستقبل. ومن يسيطر على هذه القوة، يمتلك القدرة على حماية أو تهديد الأمن الثقافى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق