.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الخميس 07/مايو/2026 - 01:51 م 5/7/2026 1:51:15 PM
عندما خلق الله الكون، خلقه كل متكامل في حلقات مرتبط بعضها ببعض، تتماسك عبر قوانين محكمة تتشابك عناصرها، حتى لا يطغى بعضها على بعض فتستحيل معها الحياة، في حين أنه عندما خلق الإنسان، خلقه بشكل فردي، يرتبط بالطبيعة من حيث اعتماده عليها في بقاءه، ولكنه متفرد في نمط تعامله معها بالاستفادة منها والتفكير في تطويعها إلى الحد الذي يضمن به بقاءه وشعوره بالأمان. لذلك اختلف كل إنسان عن الآخر منذ البداية، ووفقا لنمط الخلق، في النظر إلى الحياة وإلى العالم، كما اختلف في الشعور بالغضب أو الفرح، وفي بحثه عن الاكتفاء، وتنوع كذلك في تفكيره بنظر البعض إلى الحياة على أنها البحث عن الكمال، في حين كان آخرون يستمتعون باللحظة، ويعيشون الواقع ويحاولون تغييره في صالح ما يؤمنون أنه الحقيقة الماثلة في عقولهم والمحققة لرغباتهم. ولما كان ارتباط وجود الإنسان بالطبيعة العنصر الأساسي في وجوده، فإنه كان دائم التفكير والتخيل والتساؤل عن قدراته الذاتية في مواجهة هذا العملاق الكبير المسمى بالطبيعة والكون، وأشكال تأثيرهما عليه، وقدرته على التفاعل معهما، ليصل إلى قدر من التكيف يؤهله في مرحلة ما إلى القدرة على التأثير في نمط ونوع حياته. فكان إدراك الإنسان أن لديه عقل قادر على التفاعل والتأثير، نقطة إنطلاقه نحو نوع من اليقين القائم على استيعاب التجربة والخطأ والقياس، لاختبار المعرفة الحقيقة القابلة للتطوير والتطور والتغيير، والتي تتماشى مع كل ما يشاهده حوله من أشكال التغير والاستكشاف، وبعيدا عن تلك المعرفة المجردة التي لا تفترض إلا كل ما هو مطلق وثابت في إيديولوجيات، لم تكرس إلا اعتبار الإنسان شر مطلق يجب احتواءه، وجعلت الإنسان على غير تفرده الذي خلقه الله عليه، بأن حولت قدرته على الابتكار والإنسجام إلى نفس دائمة الشعور بالذنب وراغبة باستمرار في الامتثال، رغم أن مجرد نظر الإنسان إلى الكون وإدراكه لتفرده في التفاعل معه، لن يدفعه إلا لقتل روح التشاؤم بداخله، ويمنحه ثقة بالنفس تدفعه إلى الفعل والعمل والجهاد مع حياة يستحق أن يعيش فيها، حياة يمكن اختبارها، ليس على مستوى النظريات العلمية فقط، ولكن على مستوى النظريات الأخلاقية أيضا. حيث يمكن التوقف عن وصف العمل بالجيد أو بالسيء، أو وصف الحديث بالصادق أو بالكاذب، إلا بعد معرفة نتائجه وتأثيره الفعلي على مسيرة الإنسان من الناحيتين المادية والوجدانية، وحين نستكشف أن الصدق ليس صدقا إلا بعد أن نرى أن تأثيره على حياتنا أفضل من أثر الكذب، وإن كان هذا الأمر يحتاج إلى الشجاعة على المخاطرة، فإنها ستكون في كل الأحوال قدرة للإنسان على الحركة نحو تمكين عقله، وأفضل - ولو مرحليا - من أن يعيش ويتصرف كما لو أنه لا يعلم بوجوده وقدراته، حين ندرك أن مجرد النصيحة بأن نكون أقوياء، ليست ذات قيمة بدون أن نتدرب على الشجاعة في تحمل مخاطر هذه القوة، مع الشعور بالقدرة على تحمل المسئولية واختبار كل الأمور التي قد لا تأتي بالنجاح ولكن ستقلل بلا شك من أثر الفشل في حالة حدوثه. من هنا كان النظر إلى المستقبل، وما يصاحبه من قلق وتوتر، يدفع الإنسان إلى التفاعل والمثابرة والاستكشاف في محاولته لتحسين حياته، دافعا قويا لأن يوجه انتباهه إلى كل ما هو واقعي وماثل في عقله نحو التجديد، وطرق كل الأفكار التي من شأنها دعم استقلاليته، وترك كل ما يمكن أن نطلق عليه أشكال متعددة من المسكنات التي خلقها التعود والركون، تلك المسكنات التي تجعل الأشياء والمعتقدات تبدو منطقية ومعقولة لمجرد أنها مألوفة في السلوك العام، ما يجعلها ترتبط بالعقل والوجدان على أنها حقائق نهائية، قائمة على الحدس والتخمين لا على التجربة وقياس النتائج، ومن منطلق أن مواجهة الواقع أفضل بكثير من تقديس الانتماء للمشاعر التي يمكن خداعها. إن كل الأديان التي تنزلت لتؤكد وحدانية الله، هدمت في سبيل ذلك قيم وأخلاق التعود والاعتياد والتكيف مع الأفكار والمعتقدات الراسخة التي توارثها الإنسان من آباءه وأجداده، سواء في عبادة الأصنام أو تعدد الآلهة أو في استعباد الخلق وتسخيرهم لبعضهم البعض أو في القيم الاجتماعية التي استنزفت روح الإنسان وقدرته على الحركة، وأطلقت في سبيل ذلك قيم الحرية والمساواة وأعلت من قيمة العقل والحياة والإرادة، كما اعتبرت أن الإنسان قيمة وقوة قادرة على الاختيار والتمييز، فلم تكرس فيه الضعف أو القهر أو العداء لرغباته الطبيعية، ولكنها كرست القانون الذي يمكن للإنسان أن يمارس من خلاله تلك القيم وهذه الرغبات، ما يدل على أن النظر إلى الإنسان على أنه شر مطلق يستحق المعاناة، بقمع رغباته واحتياجاته وتوجيه سلوكه من خلال صناعة ثقافة قائمة على الخوف، هو أمر يتنافى مع طبيعة خلق الإنسان ذاتها، كما أنه أمر لا يستطيع التمييز بين ما أرتبط بالعقائد من تراث وبين قدرة الإنسان على استيعاب مسئولياته نحو الحداثة، أو بين الثابت والمتغير في تطور المعارف، أو بين تنازع الهوية ومواكبة روح العصر.













0 تعليق