في ظل حراك تشريعي مكثف يهدف إلى صياغة مستقبل العلاقات الأسرية، أقر مجلس الوزراء المصري مشروع قانون الأسرة الجديد، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بالإسراع في ضبط منظومة الأحوال الشخصية.
وبينما يحمل القانون في طياته ترتيبات مستحدثة تضع الأب في المرتبة الثانية لحضانة الأطفال مباشرة بعد الأم، برزت على السطح تساؤلات جوهرية تتجاوز نصوص المواد لتلامس واقع التطبيق، حيث تبحث الأسر عن ضمانات حقيقية تحمي مصلحة المحضون وتمنع تحول هذه الحقوق القانونية إلى أدوات للنزاع والكيد، وهو ما تجسده مخاوف أمهات يجدن في هذه "الفجوة" بين النص والواقع تحديًا يمس أمان أطفالهن واستقرارهم التربوي.
تنسج شهادات الأمهات المطلقات قراءة واقعية تضع النقاط على الحروف في مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد، حيث تبرز مخاوف مشروعة من أن تتحول بعض النصوص إلى فجوات تُهدد الاستقرار الأسري الذي بُني لسنوات بجهود فردية.
فبينما يُناقش التشريع خلف الأبواب المغلقة، يعلو صوت الواقع ليؤكد أن الحضانة ليست مجرد ترتيب رقمي، بل هي مسؤولية يومية تقتضي الأمان والقدرة الفعلية على المتابعة التربوية.
إحدى الأمهات: نقل الحضانة دون تمهيد قد يدفع الأطفال إلى اغتراب وجداني
وفي هذا السياق، تبرز حالة إحدى السيدات المطلقات تدعى "ن.م" التي تفتح ملف "الاغتراب الوجداني"، حيث تحذر في حديثه لـ"الدستور" من أن تقديم الأب في ترتيب الحضانة على "الجدة للأم" ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو انتزاع للأطفال من البيئة التي سهرت على رعايتهم في غياب الأب التام، مطالبةً بضرورة إخضاع هذا الانتقال لتحرٍ اجتماعي ونفسي دقيق يثبت وجود رابطة حقيقية، كي لا يسقط الصغار في يد أب غريب عن تفاصيل حياتهم لمجرد أنه يحمل اللقب في الأوراق الرسمية.
حين تتحول الولاية إلى استغلال.. دعوات لإسقاطها عند الإهمال الصحي والمالي
وتنتقل هذه الفجوة بين الحق القانوني والواقع التربوي إلى مستوى أكثر خطورة في شهادة السيدة "هـ.م " التي تكشف كيف يمكن لـ "الولاية" أن تتحول من حماية إلى تجارة بآلام الصغار، مشيرة إلى أنه حين يستولي الأب على نفقات علاج ابنته المصابة بمرض "الحول الوحشي" ليصرفها على نزواته الخاصة مثلما فعل طليقها، يصبح من الواجب الأخلاقي والقانوني إقرار بند "السقوط التلقائي للولاية والحضانة" بمجرد ثبوت الاستغلال المادي أو الإهمال الصحي، وذلك لمنع تحويل الأطفال إلى ورقة ضغط مادي أو "سلعة" للابتزاز تُقايض بها الأم على لقمة عيش بناتها وتعليمهن.
الحضانة كوسيلة تهرب من النفقة… مطالب بربط الحق بالالتزام المادي
لا يتوقف الأمر عند الابتزاز، بل يمتد ليشمل "التهرب الممنهج" من المسؤولية وذلك ما ترويه "أ.م" في حديثها "للدستور" إذ تضع يدها على مفارقة صادمة تتمثل في سعي الأب "البخيل" لضم الأطفال نكاية في الأم، ليس رغبة في الرعاية، بل للهروب من عبء النفقات المحكوم بها عليه، ومن هنا تنبثق ضرورة ربط حق الحضانة بالالتزام المادي الفعلي، موضحة أنه لا يُعقل أن يُمنح حق "الضم" لأب يرفض دفع ثمن الخبز والكساء لأبنائه وهم في كنف غيره، مما يجعل من الحضانة هنا "طوق نجاة" للمتهربين بدلًا من أن تكون درعًا للمحضونين.
الحضانة قد تتحول إلى تذكرة سفر بلا عودة… مطالب بضمانات لمنع الاختطاف الدولي
أما عن الأمان العابر للحدود، فتجسد "س. ك" رعب الأم من تحول القانون إلى "تذكرة سفر" بلا عودة خاصة في حالات الآباء حاملي الجنسيات المزدوجة الذين يهددون بالاختطاف الدولي، في تعليقها على تعديلات القانون الجديدة.
وهي تطالب بضمانات قضائية فورية تحظر سفر المحضون بمجرد نشوب النزاع، وتمنع نقل الحضانة لآباء أثبت سجلهم السلوكي نزعات انتقامية قد تؤدي إلى حرمان الأم والطفل من بعضهما للأبد.
"أب النكاية": انتزاع الأطفال إلى بيئة غريبة يتجاهل رغبتهم واحتياجهم للأمان
كذلك تحذر السيدة "ف. ج" من "أب النكاية"، ذلك الذي لم يزر أطفاله يومًا، ويريد انتزاعهم اليوم ليضعهم في بيئة غريبة تحت سطوة "زوجة أب" لا تربطهم بها أي صلة، مشيرة إلى الحال مع طليقها، مما يعرضهم لمعاملة قاسية، وحرمان من حنان الأم في السن الذي يحتاجون إليه، مما يستوجب أن يرجع في هذه التعديلات إلى آراء الأبناء ورغبتهم الصادقة دون أي ضغط أو خوف.
جمال فرويز: نقل الحضانة دون تهيئة نفسية قد يسبب اضطرابات وجدانية وهوياتية للطفل
ومن جانبه، يحلل الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، الأبعاد الخطيرة لهذا الانتقال المفاجئ، مؤكدًا أن الطفل ليس "كائنًا ماديًا" يمكن نقله من بيئة إلى أخرى بموجب قرار ورقي، بل هو كتلة من المشاعر التي تتشكل عبر "الاستقرار المكاني والعاطفي".
ويؤكد فرويز أن تغيير بيئة الطفل ونقله من حضن الأم إلى كنف الأب - خاصة في حالات الانقطاع الطويل- يؤدي إلى ما يسمى "الارتباك الوجداني"، حيث يشعر الطفل بأنه "مغترب" داخل بيته الجديد.
ويحذر فرويز من خطورة العيش تحت وطأة "زوجة الأب" أو "زوج الأم" في سن مبكرة، موضحًا أن دخول طرف ثالث في حياة الطفل "زوجة أب أو زوج أم" دون تهيئة نفسية طويلة الأمد، غالبًا ما يحول حياة الصغير إلى صراع صامت، فالطفل في هذه الحالة يشعر بأنه "دخيل" أو "عبء"، مما يولد لديه اضطرابات سلوكية تبدأ بالانطواء وقد تنتهي بالعدوانية المفرطة أو الفشل الدراسي."
ويضيف استشاري الطب النفسي أن الانتقال القسري للمحضون يكسر لديه "مفهوم الأمان المطلق"، حيث يتحول الأب أو الأم في نظر الطفل إلى "أداة انتزاع" وليس "مصدر احتواء".
ويشدد فرويز على ضرورة أن يسبق أي قرار بنقل الحضانة فترة "دمج تأهيلي تحت إشراف متخصصين، لضمان أن الطفل لن يواجه صدمة عصبية نتيجة العيش مع شخص "وإن كان والده" لا يعرف تفاصيل يومه الصغير، محذرًا من أن "قوانين الغرف المغلقة" قد تخلق جيلًا مشوهًا نفسيًا إذا لم تعتمد "الصحة النفسية للمحضون" كمعيار أول يسبق ترتيب الأحقية في القانون.
جديرًا بالذكر أنه قد تم تصعيد الأب ليأتي ثانيًا في ترتيب الحضانة بعد الأم، مع الإبقاء على سن الحضانة حتى 15 عامًا ثم تخيير الطفل في البقاء مع الحاضن في مسودة قانون الأسرة الجديد توجهًا لإعادة التوازن داخل منظومة الرعاية الأسرية.
كما استحدثت التعديلات نظام "الاستزارة" لمنح الأب وقتًا فعليًا مع الأبناء بدلًا من الرؤية التقليدية، إلى جانب تنظيم أوضح لتوثيق الطلاق لضمان الحقوق.
وفي الوقت نفسه، عزز المشروع من استقرار الطفل عبر منح الأم الحاضنة الولاية التعليمية تلقائيًا، مع إنشاء وتفعيل صندوق لدعم وتأمين الأسرة لضمان استمرار النفقة وتقليل آثار النزاعات بهدف السعي إلى نقل التركيز من صراع الأبوين إلى تحقيق المصلحة الفضلى للطفل وتقليل أمد التقاضي.

















0 تعليق