صراع بلا حسم.. حالة "اللا حرب واللا سلام" تخيم على المنطقة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تنته الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بانتصارٍ واضح لأي طرف، بل كشفت منذ أيامها الأولى حقيقة أكثر تعقيدًا في هذا النوع من الصراعات، إذ قد يرفع الجميع شعارات النصر، لكن الخسارة تكون جماعية وعميقة.

مع بداية الحرب، روج لعملية سريعة وحاسمة تعيد  رسم موازين القوى في المنطقة، غير أن مرور عشرة أيام فقط كان كافيًا لفضح هشاشة هذه الوعود، وتحويل الصراع إلى نزيف مفتوح سياسيًا واقتصاديًا وإستراتيجيًا.

لم تقتصر تداعيات الحرب على أطرافها المباشرين، بل امتدت كدوائر متسعة لتطال الإقليم والعالم. دول الخليج، التي لم تكن راغبة في هذا التصعيد، وجدت نفسها في قلب العاصفة، تدفع ثمن اضطراب الأسواق وتراجع الثقة الاقتصادية، في وقت بدأت فيه المؤسسات الدولية تخفض توقعاتها للنمو، بل وتحذر من احتمالات الانكماش.

أما الولايات المتحدة، ورغم تفوقها العسكري، فقد واجهت كلفة داخلية متزايدة انعكست على المواطن والاقتصاد، في ظل اعتماد كبير على استقرار أسواق الطاقة.

في المقابل، يقف الشعب الإيراني كأحد أكبر المتضررين، مثقلًا بضغوط داخلية وخارجية متزايدة، في مشهد يتكرر بصورة مأساوية لدى شعوب أخرى في المنطقة، مثل الشعب اللبناني الذي يعاني منذ عقود من أزمات ممتدة، ويعاني تحت وطأة واقع اقتصادي وسياسي معقد. وعلى نطاق أوسع، لم يسلم الاقتصاد العالمي، إذ وجد المستهلكون أنفسهم أمام موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وأسواق النفط.

لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة، بل أعادت خلط الأولويات الدولية، وأجبرت الولايات المتحدة على إعادة توزيع مواردها العسكرية، ما يعكس كلفة الفرص الضائعة أكثر مما يعكس مكاسب حقيقية.

ومع دخول الصراع شهره الثالث، توقف القتال دون حسم، لتدخل المنطقة في حالة “لا حرب ولا سلم”، حيث تستبدل المواجهة العسكرية المباشرة بحرب اقتصادية وضغوط مستمرة.

لكن التحول الأعمق لم يكن في الميدان، بل في اللغة التي يعاد بها تعريف الواقع. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار “أنهى” الأعمال العدائية، مؤكدًا أنه لا حاجة للعودة إلى الكونغرس للحصول على تفويض جديد، مستندًا إلى تفسير مرن لصلاحياته الدستورية. ووفق هذا المنطق، لم تعد هناك حرب بالمعنى القانوني، وبالتالي لا يوجد ما يستدعي موافقة تشريعية.

هذا الطرح يفتح بابًا أوسع للتساؤل، هل انتهت الحرب فعلًا، أم أُعيد تعريفها سياسيًا ؟على الأرض، لم تختف مؤشرات التصعيد،القوات لا تزال في مواقعها، التوتر في الممرات الحيوية قائم، وحوادث الاحتكاك لم تتوقف بالكامل. إلا أن الفارق يكمن في التوصيف،ما كان يسمي  "حربًا" أصبح "عمليات محدود"، وما كان يتطلب تفويضًا أصبح، بمرونة لغوية، خارج نطاق المساءلة المباشرة.

هنا لا يبدو المشهد ارتباكًا بقدر ما هو نمط متكرر في إدارة الصراعات الحديثة،إذ لا تتوقف الحروب فقط عند حدود القوة العسكرية، بل تمتد إلى القدرة على إعادة صياغة المفاهيم القانونية والسياسية بما يسمح باستمرارها دون كلفة داخلية مباشرة.

الرئيس الأمريكي لا يعلن استمرار الحرب، بل ينفي وجودها من الأساس، في خطوة تبقي  الباب مفتوحًا أمام أي تصعيد لاحق دون قيود مؤسسية واضحة.

في هذا السياق، تصبح الحرب حالة قابلة للتفعيل أو التعليق وفق الحاجة،موجودة حين تقتضي المصالح، وغائبة حين تفرض القيود نفسها.

إنها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل إدارة للصراع عبر اللغة والقانون بقدر ما هي عبر السلاح.

ويبقى السؤال: هل نحن أمام نهاية فعلية للصراع، أم مجرد استراحة تكتيكية تعاد  خلالها ترتيب الأوراق؟ وهل يلجأ ساكني البيت الأبيض إلى أدوات جديدة لإعادة إشعال المواجهة، أم يبحث عن مخرج يلقي بكلفتها على أطراف أخرى؟

في النهاية، لا يبدو أن ما جرى يمكن اختزاله في إعلان نصر أو حتى وقف إطلاق نار.الصراعات الحديثة لم تعد تقاس بنتائج المعارك فقط، بل بكيفية إدارتها وباللغة التي تعاد بها صياغة الواقع. وبينما يعلن  الساسة نهاية الحرب، يظل الميدان محتفظًا بحقيقته الأكثر تعقيدًا،صراع لم يحسم، بل تغير شكله.

ما نراه اليوم ليس نهاية حرب، بل انتقالها إلى طورٍ آخر، تستبدل فيه المواجهة المباشرة بأدوات أكثر مرونة، من الضغوط الاقتصادية إلى إعادة تفسير القوانين، لتصبح السياسة والقانون في حالة تداخل دائم، وتغدو الحقيقة نفسها محل تفاوض.

ولذلك، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل كيف تدار  الحروب حين يعجز الجميع عن حسمها؟ وهل ما نشهده هو نهاية فعلية، أم مجرد صراع أُعيد تعريفه ليبدو وكأنه انتهى؟

في ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة عالقة في حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث تختفي المواجهة من العناوين لكنها تستمر في التفاصيل.

وهنا يبرز سؤال: هل تنتهي الحروب فعلًا عند توقفها في الميدان، أم يمكن إنهاؤها سياسًا عبر اللغة وإعادة توصيف الواقع؟ بينما يعكس الميدان الحقيقة بما تحمله من صراع مباشر، قد تستخدم اللغة لإعادة تشكيل الصورة وإعلان نهاية لا يصدقها الواقع بالكامل.

والسؤال هنا: هل نحن أمام نهاية حقيقية لصراع، أم أمام فصل جديد من حرب تكتب نهايتها بالكلمات أكثر مما تحسم على الأرض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق