في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في العقيدة العسكرية الأمريكية تجاه القارة الأوروبية، أعلنت وزارة الحرب الأمريكية سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، الحليف الأبرز داخل حلف الناتو، في قرار يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل الشراكة الدفاعية عبر الأطلسي.
خلافات سياسية تدفع نحو إعادة الانتشار
لا يأتي هذا القرار بمعزل عن سياق سياسي متوتر، إذ يعكس تصاعد الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن تقاسم أعباء الدفاع.
فقد كثفت الإدارة الأمريكية انتقاداتها لحلفائها، متهمة إياهم بعدم تحمل مسؤولياتهم المالية والعسكرية، إلى جانب تباين المواقف تجاه ملفات الشرق الأوسط.
وبلغت هذه التوترات ذروتها مع السجال العلني بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس حول إدارة التصعيد مع إيران، ما أضفى بعدًا سياسيًا حادًا على القرار العسكري.
خريطة انتشار راسخة رغم التحولات
رغم الحديث عن الانسحاب، لا يزال الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا واسع النطاق. فبحسب بيانات حديثة حتى ديسمبر 2025، ينتشر نحو 68 ألف جندي أمريكي بشكل دائم في قواعد عسكرية عبر القارة، دون احتساب القوات المتناوبة التي تشارك في مهام التدريب والردع.
وتُدار هذه المنظومة عبر القيادة الأمريكية الأوروبية، التي تشرف على شبكة عملياتية معقدة تضم ستة أفرع عسكرية، وتدير عمليات تمتد من أوروبا إلى أفريقيا، انطلاقًا من مقرات رئيسية في ألمانيا وإيطاليا.
"ألمانيا" القلعة الأهم تحت الضغط
تظل ألمانيا محور الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إذ تستضيف أكثر من 36 ألف جندي موزعين على خمس حاميات رئيسية، في مقدمتها قاعدة رامشتاين الجوية، التي تُعد مركزًا لوجستيًا وعملياتيًا بالغ الأهمية منذ خمسينيات القرن الماضي.
ويثير قرار سحب جزء من هذه القوات تساؤلات حول مدى تأثر الدور الألماني داخل منظومة الدفاع الأطلسية، وما إذا كانت برلين ستتمكن من ملء أي فراغ محتمل.
إيطاليا وبريطانيا ثقل عسكري مستمر
تأتي إيطاليا في المرتبة الثانية من حيث عدد القوات الأمريكية، بأكثر من 12 ألف جندي موزعين على قواعد استراتيجية، بينما تحتل بريطانيا المرتبة الثالثة بنحو 10 آلاف عنصر، معظمهم من سلاح الجو، ما يعكس استمرار الاعتماد الأمريكي على هذين الحليفين التقليديين.
أما إسبانيا، فتؤدي دورًا محوريًا في تأمين المدخل الغربي للمتوسط، عبر استضافة قوات أمريكية في قواعد بحرية وجوية قريبة من مضيق جبل طارق.
شرق أوروبا تعزيز الردع بدلًا من الانسحاب
على النقيض من التراجع النسبي في غرب أوروبا، يشهد الشرق الأوروبي نمطًا مختلفًا من الانتشار، يعتمد على قوات محدودة دائمة مدعومة بتعزيزات متناوبة.
في بولندا، يتواجد عدد محدود من القوات الدائمة، لكنه مدعوم بنحو 10 آلاف جندي ضمن قوات الردع الدورية. وينطبق نموذج مشابه في رومانيا والمجر، حيث يتم التركيز على الانتشار المرن والاستجابة السريعة للتحديات الأمنية.
بين الانسحاب والردع.. استراتيجية مزدوجة
تكشف هذه التحركات عن ملامح استراتيجية أمريكية مزدوجة: تقليص الوجود التقليدي في الغرب، مقابل تعزيز أدوات الردع في الشرق. وبينما يبدو القرار في ظاهره انسحابًا، فإنه في جوهره إعادة توزيع للقوة بما يتماشى مع أولويات واشنطن الجديدة.


















0 تعليق