المستشار منصف سليمان ممثل الكنيسة الأرثوذكسية: «علة الزنا» الحالة الوحيدة للطلاق.. وإثباتها يجب أن يكون بالأدلة القاطعة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«بطلان الزواج» يحدث فى حالة الغش قبل الزواج مثل إخفاء مرض مزمن 

الانفصال لـ«الهجر» يشترط هجر الطرفين بعضهما 3 سنوات متصلة دون مبرر

منح تصريح «الزواج الثانى» للطرف «المتضرر» فقط بعد الطلاق

«الزنا الحكمى» يتضمن «الخيانة الإلكترونية» وسفر أحد الشريكين مع آخر وإثبات مكوثهما فى غرفة واحدة 

سد الثغرات على حيلة «الطلاق لتغيير الملة» بعد انتشار حالات التلاعب

«ملحق تعاقدى» يتضمن حقوق الشريكين المادية على غرار «قائمة المنقولات» للمسلمين

 

كشف المستشار منصف سليمان، ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى مناقشات قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين، أن الرئيس عبدالفتاح السيسى هو من طلب من الكنيسة العمل على إصدار القانون، من واقع اهتمامه بحل مشكلات الأسرة ومعالجة القضايا العالقة التى يعانى منها المسيحيون منذ سنوات طويلة.

ووصف «سليمان»، خلال حواره مع «الدستور»، القانون بأنه كان حلمًا كبيرًا، مشيرًا إلى مساهمته المتوقعة فى حل مشكلات عالقة يعانى منها متضررو الأحوال الشخصية من المسيحيين، معتبرًا أيضًا أنه ثمرة محاولات ممتدة لعقود لإخراجه إلى النور، ليحظى اليوم بإجماع واسع من جميع الطوائف.

وأفاد بأن هناك أحكامًا مشتركة فى القانون تخص المسيحيين والمسلمين أيضًا، لافتًا إلى وجود ٦٠ مادة تتعلق بمسائل إنسانية وقانونية عامة مثل الحضانة والنفقات والولاية التعليمية والحق فى الرؤية، وهى بنود تنطبق على جميع المسيحيين باختلاف طوائفهم، وتتفق فى روحها مع القواعد المطبقة على باقى المواطنين المصريين.

تريزة شنودة

■ بداية.. ما المراحل التى مر بها قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين؟

- بصفتى مستشارًا قانونيًا للكنيسة على مدار سنوات طويلة، أؤكد أن هذا القانون كان حلمًا كبيرًا، وسيُسهم فى حل مشكلات عالقة يعانى منها متضررو الأحوال الشخصية من المسيحيين. فهو ثمرة محاولات ممتدة لعقود لإخراجه إلى النور، ويحظى اليوم بإجماع واسع.

بدأت محاولات إصدار القانون منذ عام ١٩٧٧ فى عهد البابا شنودة الثالث، وتكررت فى الثمانينيات، ثم مطلع الألفية، وصولًا إلى مشروع قانون عام ٢٠١٠ الذى ظل حبيس الأدراج لغياب التوافق بين الكنيسة القبطية والطوائف الأخرى حول صيغة موحدة. لكن هذه المرة، نجحنا فى الوصول إلى قانون مدنى مستمد من شرائع الكنيسة، يحفظ حقوق المسيحيين فى ملف الأحوال الشخصية بشكل منظم، ليُسجل إنجازًا تاريخيًا كأول قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين فى مصر.

القانون أُعد منذ نحو ثلاث سنوات، وخضع لتعديلات متفق عليها بين جميع الطوائف المسيحية، حتى استقر بصيغته النهائية التى وافق عليها مجلس الوزراء، ويستعد مجلس النواب لمناقشتها قريبًا. وجاء هذا القانون بموافقة المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة البابا تواضروس الثانى، والفاتيكان، ممثلًا ببطريرك الكنيسة الكاثوليكية، والسنودس الإنجيلى برئاسة القس الدكتور أندريه زكى.

■ البعض يروج أن القانون صناعة كنسية بامتياز.. فهل كان هناك حوار مجتمعى حقيقى؟

- استغرق إعداد القانون سنوات طويلة، وجرت حوله مناقشات جادة وعميقة داخل جميع الكنائس المصرية، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، ووافق المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية عليه فى ٣ جلسات، كما أقره الفاتيكان والسنودس الإنجيلى.

لسنا «ملكيين أكثر من الملك»، فالكنائس نفسها هى التى وضعت القواعد بما يتناسب مع عقيدتها وقدمتها للدولة. وفى النهاية نحن أمام قانون صاغته قيادات كنسية وقانونية بارزة، هدفها الأساسى معالجة غالبية مشكلات متضررى الأحوال الشخصية للمسيحيين.

نسبة الخطأ قد تكون واردة، لكنها ضئيلة لأننا بشر. غير أن الحلم والغاية الكبرى تظل فى إنهاء معاناة العالقين فى قضايا الأحوال الشخصية. ومن الصعب إرضاء الجميع عبر هذا القانون أو غيره، فالبعض يريد نصًا مفصلًا على مشكلته الخاصة، وهو أمر غير ممكن. ما نسعى إليه هو التخفيف من معاناة الغالبية، ما يحققه هذا القانون.

■ يصف البعض القانون بـ«الموحد».. ما البنود المشتركة بين الطوائف المسيحية المختلفة فى هذا القانون؟

- هناك أحكام مشتركة ليست فقط بين الطوائف المسيحية، بل بين المسيحيين والمسلمين أيضًا. نتحدث عن حوالى ٦٠ مادة تتعلق بمسائل إنسانية وقانونية عامة مثل: الحضانة، النفقات، الولاية التعليمية، والحق فى الرؤية، هذه البنود تنطبق على جميع المواطنين المسيحيين باختلاف طوائفهم، وتتفق فى روحها مع القواعد المطبقة على باقى المواطنين.

■ هناك خلط كبير لدى الجمهور بين مصطلحات «الطلاق، الانفصال، الفرقة، والبطلان».. ما الاختلافات الجوهرية بينها وفقًا للقانون الجديد؟

- الأمر يحتاج لتوضيح دقيق، فتعريف الطلاق وفقًا للقانون الجديد يتمثل فى حالة وحيدة ومحددة جدًا هى «علة الزنا»، وإثباتها يجب أن يكون بالأدلة القاطعة. 

أما بطلان الزواج فيحدث إذا شابت عقد الزواج عيوب مثل «الغش» فى بيانات جوهرية قبل الزواج كإخفاء مرض مزمن لا يُرجى شفاؤه، أو العقم، أو الكذب فى طبيعة الوظيفة.

فى هذه الحالة يُرفع الأمر خلال ٦ أشهر من تاريخ العلم، ويُعتبر الزواج كأن لم يكن، أى يحدث بطلان لعقد الزواج من الأساس.

أما استحالة العشرة «الهجر» فتتمثل فى مادة تنص على أنه إذا هجر الطرفان بعضهما لمدة ٣ سنوات متصلة دون مبرر، هنا نكون أمام حالة «استحالة عشرة» تستوجب الفرقة.

■ كيف يتم إثبات «الهجر» أو «الفرقة» أمام المحكمة لضمان عدم التحايل؟

- الهجر واقعة مادية تُثبت بجميع وسائل الإثبات، سواءً من الكنيسة أو المحكمة، والقانون استلزم وجود «لجنة توفيق» فى الكنائس، حيث يتقدم المتضرر بطلبه، وتقوم الكنيسة بالتحقيق بوسائلها الخاصة، وعندما ترفع القضية، تطلب المحكمة رأى الجهة الكنسية التى تلتزم بالرد خلال ٤٥ يومًا، والمحكمة هنا تحترم هذا الرأى الفنى والقانونى.

■ ما مدة الفرقة التى تستوجب إنهاء الزواج؟ 

- المدة التى أقرها القانون لجميع المتضررين هى ٣ سنوات وتستوجب انحلال الزواج، ويأخذ هذا الانحلال شكل الطلاق المدنى، الذى يسمح للزوجة أن تنال جميع حقوقها المدنية بعد الطلاق من نفقة وحقوق لأطفالها، فهذه المدة تسمح للكثير من السيدات بالحصول على حقوقهن وحقوق أبنائهن بشكل مدنى كامل.

■ فى حال صدور حكم «طلاق مدنى» للفرقة.. هل يحصل الطرف المتضرر تلقائيًا على تصريح زواج ثانٍ؟

- الكنيسة تمنح تصريح الزواج الثانى للطرف «المتضرر» فقط، أى الشخص الذى وقعت عليه الإساءة «سواء كانت عنفًا جسديًا، لفظيًا، أو هجرًا». 

إذا أثبت للمحكمة وقوع الإساءة وبناءً عليه وقع الطلاق، يحق للمتضرر اللجوء للكنيسة للحصول على «تصريح كنسى» للزواج مرة أخرى.

■ هل أقر القانون بنودًا حول «الزنا الحكمى»؟ وما تعريفه؟

- القانون الجديد يقر بمادة «الزنا الحكمى» بجانب «الزنا الفعلى» أى الخيانة المثبتة كسبب من أسباب الطلاق الأساسية. 

وتقر المحكمة «الزنا الحكمى» كسبب للطلاق فى المسيحية، ولكن بإثبات، مثل الخيانة الإلكترونية والمراسلات التى تدل عليها وعلى وقوعها بشكل فعلى، مع وجود شهود، أو حالات سفر أحد الشريكين مع شخص آخر، مع إثبات أنهما مكثا فى غرفة واحدة وأيضًا بشهادة شهود، وهذه الحالة تعد من حالات «الزنا الحكمى» التى تستوجب الطلاق بشكل واضح.

■ «تغيير الملة» هى الحيلة الأشهر للحصول على الطلاق.. ما موقف القانون الجديد من هذا الأمر؟

- «تغيير الملة» هو عمل مرفوض، قانونيًا وأخلاقيًا. وللأسف، منذ إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية عام ١٩٥٥، تحول تغيير الملة إلى «باب خلفى» للحصول على الطلاق. بل وظهر بعض المحامين غير الملتزمين الذين يتاجرون فى شهادات «تغيير الملة». 

القانون الجديد يسد هذه الثغرات ويضع ضوابط تمنع هذا النوع من التحايل لضمان استقرار الأسرة.

■ ماذا عن «الملحق التعاقدى» الذى تم استحداثه مع عقود الزواج؟ وهل سيكون بمثابة «القايمة» لإثبات الحقوق؟

- «الملحق التعاقدى» هو عقد إضافى مع عقد الزواج الأساسى لضمان حقوق الشريكين خاصة المرأة، إذ يضمن حقوقها المادية والمعنوية أيضًا، ويقر شكل التعاملات المادية بينهما، وحق العمل للزوجة بموافقة زوجها وإقرار المنقولات التى تملكها الزوجة قبل الزواج وأصبحت جزءًا من منزل الزوجية، وإقرار المشغولات الذهبية.

ويعد هذا الملحق وسيلة لإثبات الحقوق المادية وأحيانًا المعنوية بين الزوجين، وفى حالة الخلافات التى من الممكن أن تؤدى إلى استحالة العشرة بينهما، وهذا الملحق سيكون بمثابة ورقة إثبات للحقوق أمام المحاكم القضائية، بحيث يغلق هذا العقد الإضافى أى فرصة لضياع الحقوق المادية للزوجة عند الانفصال.

ويعتبر البعض الملحق التعاقدى مثل «القايمة» عند زواج غير المسيحيين، فهذا العقد هو ورقة ضمان مستحدثة بقانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين، تضمن الحقوق المادية للشريكين حال وجود خلافات أسرية، خاصة حقوق الزوجات.

■ ماذا عن الميراث؟ وكيف سيتعامل القانون مع تلك القضايا؟

- القانون الجديد ينظم الميراث على أساس التساوى بين الورثة من نفس الدرجة، فمثلًا، فى حالة وجود بنتين فقط، سيتم التقسيم بينهما بالتساوى، ولن تذهب الحصة الأكبر لغيرهما، كما كان يحدث فى بعض الحالات، وفى حالة الورثة، ذكرًا وأنثى، سيتم تقسيم الميراث بالتساوى بين الاثنين، ويقر القانون بالتساوى بين الورثة، سواءً الذكور أو الإناث، وفقًا للشريعة المسيحية، والمادة ٣ من الدستور التى تقر باحتكام غير المسلمين لشرائعهم، وهنا يقر القانون الجديد بالمساواة فى الميراث بين الورثة دون التفرقة فى نوعهم، ويعد هذا إنجازًا فى ملف المواريث، وستحصل المرأة الأرمل التى لا تعول أطفالًا أيضًا على نسبة جيدة جدًا فى الميراث، وفقًا للائحة الجديدة بالقانون.

■ ماذا عن تفاصيل الحضانة وحق الرؤية؟

- سن الحضانة محدد بـ١٥ سنة «حسب التعديلات الأخيرة»، ويكون للأم ثم للأب.

والجديد هو «حق الاستضافة»، حيث يحق للطرف غير الحاضن استضافة الطفل لعدة أيام أو فى الإجازات، كما استحدثنا مبدأ «الرؤية الإلكترونية» عبر وسائل التواصل الحديثة «آيباد، محمول»؛ وإذا حَرَم الحاضنُ الطرفَ الآخر من هذا الحق، فقد تُنزع منه الحضانة.

■ ماذا عن رأى الكنيسة الذى ستحتكم به المحاكم القضائية فى النزاعات ومشكلات الأحوال الشخصية؟

- ينص القانون الجديد على أن تحتكم المحاكم القضائية إلى رأى كنسى فى قضايا النزاعات والطلاق والانفصال التى تخص المسيحيين، ولهذا سيكون هناك رأى كنسى فى قضايا متضررى الأحوال الشخصية يغلب عليه صبغة الكهنوت فى الغالب، من واقع متابعة الكنيسة للمشكلة المقدمة للمحكمة، وهذا الرأى سيكون رأيًا فنيًا واستشاريًا للمحكمة ولكنه غير ملزم للقاضى الاحتكام به.

■ ما طبيعة جلسات الاستماع التى تقرها المجالس الإكليريكية قبيل رفع أى قضية أحوال شخصية تخص المسيحيين؟

- لجان الاستماع هى لجان متخصصة تابعة للمجالس الإكليريكية فى الكنائس والإيبارشيات المختلفة، وتهدف إلى معالجة مشكلات متضررى الأحوال الشخصية من المسيحيين. تعمل عبر مختصين اجتماعيين ونفسيين وقانونيين، فى محاولة لحل النزاعات قبل أن تتفاقم وتصل إلى ساحات القضاء، بما يعزز استقرار الأسرة المسيحية ويحد من الخلافات.

وفى حال تعذر الوصول إلى حل، يتم فتح ملف كنسى داخل المجالس الإكليريكية، حيث يكون لبعض هذه اللجان دور استشارى يتابع حالة النزاع بين الزوجين أثناء التقاضى أو فى حال الانفصال، أو عند طلب تصريح زواج ثانٍ كنسى.

■ لماذا يشيد البعض دائمًا بلائحة ٣٨ للأحوال الشخصية؟

- أزعم أن غالبية مَن يشيدون بلائحة عام ١٩٣٨ الخاصة بتنظيم شئون الأحوال الشخصية فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لم يطّلعوا عليها فعليًا، بل اكتفوا بسماع آراء الآخرين. 

ما لا يعرفه كثيرون أن هذه اللائحة لم تكن موحدة على جميع إيبارشيات الكنيسة، إذ كانت منسوخة باليد كتبها أحد الكتّاب فى ذلك الوقت، ولم تصدر نسخة رسمية موحدة تُطبّق فى كل الكنائس، وبالتالى فإن نصوصها لم تكن معممة على جميع المسيحيين.

من هنا يبرز التساؤل: كيف يطالب البعض بالاحتكام إليها فى وقتنا الحالى، وهى فى الأصل لم تكن مرجعًا موحدًا ولا صيغة قانونية مكتملة؟

■ ما رسالتك بشأن سرعة إصدار القانون، خاصة مع اهتمام الرئيس السيسى بهذا الملف؟

- يولى الرئيس عبدالفتاح السيسى اهتمامًا بالغًا بترسيخ مبادئ المواطنة وتعزيز استقرار الأسرة المصرية. وأتذكر أنه فى عام ٢٠١٥ طلب الرئيس منى ومن الكنيسة العمل على إصدار قانون للأحوال الشخصية، ومنذ ذلك التاريخ ظل يسعى جاهدًا لحل مشكلات الأسرة عبر حرصه على إخراج هذا القانون الأول من نوعه فى تاريخ مصر، لمعالجة القضايا العالقة التى يعانى منها المسيحيون منذ سنوات طويلة.

وبفضل التوجيهات الرئاسية، يسير قانون الأسرة المسيحية بالتوازى مع قانون الأسرة للمسلمين، وهو خبر مفرح سيُسهم فى حل نحو ٩٠٪ من القضايا العالقة أمام المحاكم. وقد اعتاد الرئيس السيسى دعم مبادئ المواطنة، ما تجلى فى إصداره قانون بناء الكنائس عام ٢٠١٦، والآن يواصل النهج ذاته من خلال التوجيه بإصدار قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين، بما يضمن العدالة ويعزز الاستقرار المجتمعى.

كيف ترد على محاولات إثارة الجدل على مواقع التواصل حول القانون الجديد؟

- هذا القانون عمل بشرى قابل للخطأ والصواب، لكن صدوره الآن يعد خطوة أفضل بكثير من استمرار الوضع الحالى. فهو أول قانون متكامل للأحوال الشخصية للمسيحيين فى تاريخ مصر، بعد أن كانت الأمور تدار عبر لوائح متناثرة وغير موحدة. اليوم، سيعرف كل مواطن حقوقه وواجباته بوضوح تحت مظلة قانون واحد، بما يعزز العدالة ويضع حدًا للفوضى التشريعية السابقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق