رغم وصف التقارير الإعلامية أجواء حفل العشاء الذي جمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وملك بريطانيا تشارلز الثالث، بأنها: “دافئة وحميمة”، إلا أن المدقق لما جري علي مائدة البيت الأبيض أشبه بملاسنات نساء الحارات الشعبية من وصلات “تلقيح” الكلام والمعايرة، خاصة فيما تعلق بـ “حفل شاي بوسطن.
فما الأصل التاريخي لهذه الواقعة التي ألمح إليها الملك تشارلز في رده علي ترامب الذي عايره بأنه لولا دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية لكانت بريطانيا تنطق بالألمانية، ورد تشارلز بأنه لولا الإنجليز لكان الأمريكيين يتحدثون الفرنسية؟.
جذور "المعايرة" التاريخية بين واشنطن ولندن
في رصده للتأريخ الأمريكي، يوثق وود جراي، أستاذ التاريخ الأمريكي بجامعة جورج واشنطن، الإرهاصات الأولي لظهور والولايات المتحدة الأمريكية منذ القرن الـ17 علي خريطة العالم، وصراع النفوذ الذي دار بين فرنسا وبريطانيا للسيطرة علي العالم الجديد، حتي وصل لإحكام قبضة الفرنسيين علي وادي المسيسبي، إلا أن الصراع الفرنسي الإنجليزي دفع نابيون بونابرت، وكان وقتها القنصل الفرنسي الأول إلي إبرام صفقة بيع المستعمرات الفرنسية في أمريكا الشمالية “لويزيانا”، لتمويل الحرب ضد بريطانيا.
انتفاض سكان المستعمرات ضد النفوذ البريطاني
منذ أن أعلن “جون آدمز” الرئيس الثاني للولايات المتحدة، أن تاريخ الثورة الأمريكية يرجع إلى سنة 1620 وقال: أن "الثورة قد اختمرت قبل بداية الحرب إذ كانت في عقول الناس وفي قلوبهم" ثم أضاف إلى ذلك أنه ينبغي “أن نرجع مائتي سنة إلى الوراء في تاريخ أمريكا لندرك المبادئ والإحساسات التي دفعت الأمريكيين الى الثورة منذ أنشئت المزرعة الأولى”.
ولقد بدأ الخلاف الصريح بين إنجلترا وأمريكا من الناحية العملية في سنة 1763. ففي ذلك الوقت كان قد انقضى أكثر من قرن ونصف قرن على تأسيس المستعمرة الأولى في جيمس تاون بفرجينيا. وقد نمت المستعمرات نموًا محسوسًا من الناحيتين الاقتصادية والثقافية، كما تمتعت جميعًا بسنوات طويلة من الحكم الذاتي، وزاد مجموع عدد سكانها عن مليون ونصف نسمة - أي ستة أضعاف ما كان عليه في سنة 1700على أن نمو المستعمرات واتساع رقعتها كان أعمق أثرًا مما تدل عليه الزيادة في تعداد. فقد شاهد القرن الثامن عشر دوافع جديدة للتوسع الاستعماري نتيجة تدفق المهاجرين الأوروبيين. ولما كانت أجود الأراضي الساحلية قد استعمرت من قبل، فقد كان على الوافدين الحدد أن يندفعوا الى ما وراء دلتا الأنهار.
سياسات "تاونسند" التي أشعلت فتيل التذمر في العالم الجديد
ولم تكن بريطانيا العظمى حتى سنة 1763 قد وضعت سياسة إمبراطورية ناشئة لمستعمراتها، وكان المبدأ السائد هو وجهة النظر التجارية التي تحتم على المستعمرات إمداد البلد الأم بالمواد الخام وأن لا تنافسها في الصناعة.
غير أن هذا المبدأ كان يفتقر إلى قوة التنفيد، ذلك لأن المستعمرات لم تفكر أبدًا في أنها أجزاء من هيئة متحدة يتمم بعضها بعضًا، بل اعتبرت أنفسها - شبيهة في ذلك بإنجلترا نفسها - جمهوريات أو دويلات ليس بينها وبين السلطات في لندن سوى رابطة مفككة.
ماذا حدث في «حفل شاي بوسطن»؟
بينما كانت السلطات البريطانية تري أن سكان المستعمرات في العالم الجديد عليهم أن يخضعوا لقوانينها أو ما يعرف بالماجنا كارتا، حيث كلف وزير المالية البريطاني شارل تاونسند بوضع نظام مالي، يحكم جمع الضرائب المفروضة علي التجارة الأمريكية وضيق الخناق علي إدارة الجمارك. واقترح قانونا خول المحاكم العليا في المستعمرات سلطة إصدار تصاريح التفتيش العامة، مما أشعل وتيرة التذمر ضد هذه الإجراءات، التي تم تطبيقها عسكريا بالحديد والنار فقاطع أهالي المستعمرات في العالم الجديد كل البضائع الواردة من الخارج واعتمدوا علي ما ينتجونه، حتي تفككت القيود قليلا وألغيت الضرائب ماعدا ضريبة الشاي.
غير أن شركة الشرق الهندية ـ التي احتكرت كل تجارة التاج البريطاني ـ ومع رفض المواطنين بضائعهم استعانوا بالحاكم الملكي لتوزيع الشاي الإنجليزي وفرضه، وكان العنف هو رد الوطنيين بقيادة صمويل آدمز، ففي ليلة 16 ديسمير سنة 1773 اعتلت ظهر سفن الشاي الثلاث فرقة من الرجال، متنكرين بهيئة هنود الماهوك وقذفوا بالشاي إلي الماء.
















0 تعليق