تتزايد التحذيرات الدولية خلال عام 2026 بشأن مستقبل الأمن الغذائي العالمي، في ظل اضطرابات ممتدة تضرب سلاسل إمدادات الأسمدة وتنعكس بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي في عدد كبير من الدول.
تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة
وتشير تقارير أممية ودولية حديثة إلى أن استمرار هذه الأزمة دون تدخل عاجل قد يدفع العالم نحو موجة جديدة من نقص الغذاء وارتفاع الأسعار، في واحدة من أكثر الفترات حساسية للأسواق الزراعية خلال السنوات الأخيرة.
اضطراب سلاسل الإمداد وتأثير التوترات الجيوسياسية
وتؤكد التقارير أن التوترات الجيوسياسية في عدد من الممرات البحرية الحيوية، والتي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، أدت إلى اضطراب واضح في حركة نقل المواد الخام المستخدمة في صناعة الأسمدة، وهو ما تسبب في اختناقات كبيرة داخل سلاسل التوريد العالمية، ورفع تكلفة الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ.
اعتماد صناعة الأسمدة على الطاقة
وتعتمد صناعة الأسمدة بشكل أساسي على الغاز الطبيعي كمكون رئيسي، حيث يدخل في إنتاج نحو 90% من الأسمدة النيتروجينية، ما جعل القطاع أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة واضطرابات الإمداد.
وقد سجلت الأسواق العالمية خلال مارس 2026 ارتفاعًا في أسعار الغاز بنسبة وصلت إلى 12%، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي وأسعار الأسمدة عالميًا.
توقعات بارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا
وفي هذا السياق، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أسعار الأسمدة قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 15% و20% خلال النصف الأول من عام 2026 في حال استمرار الاضطرابات الحالية، بينما سجلت أسعار اليوريا في بعض الأسواق الإقليمية ارتفاعًا بنحو 19% خلال أسابيع قليلة فقط، مع زيادات وصلت إلى 28% في بعض الأسواق المحلية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
تراجع محتمل في المساحات الزراعية
كما تشير بيانات وزارة الزراعة الأمريكية “USDA” إلى احتمالات تراجع المساحات المزروعة من المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة بنسبة تقارب 3% لكل منهما خلال موسم 2026، نتيجة ارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الضغط على أسواق الغذاء عالميًا.
وفي السياق ذاته، تتوقع منظمة الأغذية والزراعة “فاو” انخفاض الإنتاج العالمي من القمح بنسبة 1.7% ليصل إلى نحو 820 مليون طن، نتيجة التحديات المرتبطة بالإمدادات وارتفاع تكاليف الإنتاج.
مخاطر متصاعدة على الأمن الغذائي العالمي
وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على مؤشرات الأمن الغذائي العالمي، حيث حذر برنامج الأغذية العالمي “WFP” من احتمال دخول نحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع الحاد إذا استمرت الأزمة، ليرتفع إجمالي عدد المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي إلى نحو 363 مليون شخص، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ الحديث.
أوضاع غذائية حرجة للأطفال حول العالم
كما تشير بيانات أممية إلى أن نحو 35.5 مليون طفل حول العالم يعانون بالفعل من سوء التغذية الحاد، مع توقعات بزيادة هذه النسبة بنحو 10% بنهاية العام الجاري، نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية في عدد من الدول النامية.
أهمية الممرات البحرية في سلاسل الإمداد
وتوضح التقارير أيضًا أن اضطراب سلاسل الإمداد مرتبط بشكل مباشر بالممرات البحرية الرئيسية، حيث تسيطر منطقة الشرق الأوسط والخليج على نحو 49% من صادرات اليوريا العالمية، و30% من صادرات الأمونيا، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة قادرًا على التأثير على ما يقرب من نصف الإمدادات العالمية للأسمدة.
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري للمواد الزراعية بنسب تتراوح بين 40% و60% في بعض المسارات الحيوية، خاصة تلك المارة عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهو ما ساهم في زيادة أسعار الغذاء عالميًا بشكل غير مباشر، ورفع الضغوط على الأسواق الاستهلاكية.
أزمة مركبة
ويؤكد خبراء الاقتصاد الزراعي أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد نقص في المعروض، بل تحولت إلى أزمة مركبة تجمع بين ارتفاع التكلفة واضطراب التوزيع، ما أدى إلى زيادة أسعار المدخلات الزراعية بنحو 28% في المتوسط، مقابل تراجع تدريجي في إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية.
تحذيرات من إعادة تشكيل خريطة الأمن الغذائي
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الاتجاه قد يعيد رسم خريطة الأمن الغذائي العالمي خلال السنوات المقبلة، ما لم يتم التدخل عبر حلول دولية عاجلة لاستقرار سلاسل الإمداد وضمان تدفق الأسمدة والغذاء بشكل منتظم.














0 تعليق