الأربعاء 22/أبريل/2026 - 12:48 م 4/22/2026 12:48:53 PM
جددت الحرب الصهيوأمريكية - الإيرانية آلام صناعة النشر المهددة فى الأصل طول الوقت، تأجل اثنان من معارض الخليج الدولية السنوية للكتاب بسبب الحرب وانعكاساتها على دول الخليج، معرض «أبو ظبى» تأجل إلى المدة من 13-18 سبتمبر المقبل، ومعرض «مسقط» تأجل إلى أجل غير مسمى، بينما تجرى الاستعدادات لمعرض «الدوحة» المنتظر فى المدة من 14-23 مايو المقبل وسط أجواء من القلق والترقب، معارض الكتاب الدولية السنوية لا تزال متنفسًا للصناعة وإن كانت عوائدها مؤخرًا فى النازل، فإذا نظرنا لتحديات الصناعة بشكل عام، نجدها لا تزال على ما هى عليه بل وتزيد، ارتفاع أسعار الكتاب المطردة نتيجة ارتفاع تكلفة إنتاجه القائم فى الأساس على استيراد أهم خاماته - أوراق وأحبار الطباعة - ودون أى إعفاءات داعمة من أى نوع، ومن بعده التوزيع والتزوير وإهدار حقوق الملكية الفكرية.
الأمر كله مع تطورات ملامح الحياة والاختلاف الظاهر عليها فى كل أنماطها وخاصة الاستهلاكية، يجعلك تفكر فى مستقبل القراءة والكتابة والنشر، ولأن دافع الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى تقوم الساعة هو المعرفة، والقراءة هى أهم وسائل المعرفة، فمستقبلها مضمون دائمًا وأبدًا، قد تختلف أدواتها أو يصل بها الحال إلى حد ضرورة إعادة تعريفها كمفهوم ارتبط أساسًا بفكرة أن يطالع القارئ مخطوطًا ورقيًا بين يديه، فالآن مثلًا نعيش عصر القراءة الإلكترونية والقراءة الصوتية أو المسموعة من خلال تكنولوجيا الأجهزة والتطبيقات، والله أعلم بتطورات أخرى آتية حتمًا لا محالة، ولكن يظل فعل القراءة باقيًا فى كل الأحوال حتى فى ظل ما يحيط بالكتابة والنشر من تهديدات قد تذهب بهما أدراج الرياح مستقبلًا، فرصيد الإنسانية وتراثها من المؤلفات فى مختلف المجالات يضمن مستقبل القراءة لعصور وأجيال عديدة قادمة.
أما الكتابة فأهم الأخطار المهددة لها فى الآونة الأخيرة هو الذكاء الاصطناعى، وكلنا تابعنا فى ديسمبر الماضى أزمة دار «ألكا» للنشر، عضو اتحاد الناشرين العراقيين، بعدما طرحت مؤلفات مكتوبة كاملة بواسطة الذكاء الاصطناعى، ونسبتها لمؤلفين وهميين لا وجود لهم فى الواقع، ومعها مؤلفات نفيسة أصلية أخرى ترجمتها بنفس الطريقة، الذكاء الاصطناعى، فتغير محتواها بشكلٍ كبير، وهو ما يمثل تعديًا صريحًا على حقوق مؤلفيها الأصليين، بل وعلى مضمون هذه المؤلفات، صحيح أن «ألكا» أغلقت أبوابها بعد إيقاف نشاطها بسبب هذه الفضيحة، ولكن خطر الذكاء الاصطناعى لا يزال قائمًا، ويزيد من خطورته وأثره السلبى البالغ أن جيلًا جديدًا من المؤلفين الشباب يميل للاستسهال بطبعه وإيقاع عصره، مع توافر ورش عمل وبرامج وتطبيقات ذكاء اصطناعى تحاصره من كل جانب وتدعوه لكى ينتهى من كتابه فى عطلة نهاية الأسبوع!
الذكاء الاصطناعى إذًا يقتل الإبداع البشرى طالما خرج به البشر عن طوره كأداة، استخدموه كأداة لا مانع فهو مؤكد يوفر وقتًا وجهدًا وربما يمنح حلولًا أو نتائج مرجوة فى غمضة عين، لكنه أبدًا لن يكون مبدعًا له رؤية وخيال وإحساس ومشاعر وتجارب وخبرات أولها وآخرها الإنسان، بخلاف هذا هو موت بطئ لكل إبداعٍ بشرى، طالما منحناه الفرصة والسلطة والسطوة، وقطعًا وقتها يدفع بقوة نحو انهيار صناعة النشر، القائمة بالأساس على إبداع البشر فى الكتابة والتعبير عن ذواتهم وأفكارهم، فإن أصابه العطب هو الآخر فعلى الصناعة السلام ولو بعد حين، فيها بالفعل ما يكفيها، وإنتاج المبدعين لا يزال المساحة المحفزة على الاستمرار ومواجهة الأعباء، والتفاعل الإنسانى بين أطراف الصناعة كاتب وناشر وقارئ هو الروح التى حتمًا تفقد سرها وسحرها إذا ما تركناها تسقط ضحية الذكاء الاصطناعى.
كل هذه التحديات القاتلة فى تقديرى تفرض على الناشرين - مركز ثقل الصناعة - إعادة تقييم رؤاهم وطرق تفكيرهم وسلوكهم، ودفع طرفى الصناعة الآخرين فى نفس الاتجاه، والتواصل الفعال من جانب الناشر بكلٍ من الكاتب والقارئ هو المدخل، حتى يتمكن من ناحية من رسم خطط للمستقبل مع مؤلفيه، بما يضمن مواكبة إيقاع العصر وتطوراته دون إخلال بقيمة الإبداع البشرى، وأيضًا للتوافق حول أنسب الصيغ لإنتاج الكتاب بما يجذب القارئ ويصادف توقعاته، صحيح أن الفكرة دائمًا هى البطل، لكن التكثيف وسلاسة اللغة وسرعة الإيقاع هى المعادلة الأقرب للاستمرارية، وبالتزامن يجتهد مع القارئ لتغيير نمطه المعتاد فى القراءة، فسطوة تطبيقات القراءة التكنولوجية آتية لا محالة، ومن لا يأخذ موقعه ومساحته الآن ناشرًا أو كاتبًا أو قارئًا، قد يجد نفسه خارج المنظومة تمامًا فى مستقبل قريب بات منظورًا.

















0 تعليق