حين تذهب إلى مسرح نهاد صليحة بأكاديمية الفنون لتشاهد عرضًا مسرحيًا فأنت يقينًا ستحقق فرجة لا مثيل لها، ليس لأن العرض أجود أو أميز، لكن لأن العروض التى تقدم على هذا المسرح فى معظمها، عروض للشباب، سواء طلبة الأكاديمية من المعهد العالى للفنون المسرحية، أو من المسرح المستقل، لكنها فى كل الأحوال فرق شابة لم تثقل كاهلها حسابات الخبرة، ولم تقيدها مخاوف أحكام النقاد، يفعل أعضاؤها ما يحلو لهم دون حسابات مسبقة، الأمر الوحيد الذى ربما يقيدهم هو قلة الموارد المالية، إلا أن هذا التحدى يصبح فرصة حقيقية؛ لأنه يحفزهم على ابتكار حلول إبداعية، هم أبناء هذا العصر والأكثر قدرة على التعبير عن همومه بطريقة تشبهه.
ماذا يحدث حين يتحد أحد مبدعى هذا الجيل مع نص مهم لأحد كتاب جيل التسعينيات، هو الكاتب الراحل الذى فارقنا فى أوج خبرته وإبداعه «يوسف مسلم» ونصه «وليمة عيد» الذى ينقل لنا عوالم تخلط بين عالمين، عالم «يونسكو» بعبثيته، وعالم سعد الله ونوس بمفرداته الكابوسية.
تدور أحداث المسرحية داخل مطعم، حيث يجلس البعض على منضدة طعام، لكن الطعام الذى يعد فى هذا المطعم هو طعام خاص، إنه اللحم البشرى، والشخص الذى من المفترض أن يقدم كوليمة هو عيد ذاته، عيد الذى يرفض أن ينصاع لرغبات أفراد أسرته، فيعدونه مجنونًا، طالما أنه لا يستطيع أن يصبح مستنسخًا مثلهم، يعيش حياة شائهة مقلوبة، حيث الخير مذمة والشر ميزة، وحيث العالم يسير إلى الوراء والناس يضعون رءوسهم على الأرض وأقدامهم على المقعد، ويتبولون فى الشوارع لا فى المراحيض الأنيقة حفاظًا عليها.
أسرة عيد تحاول إقناعه بأن يكون مثلهم، لكنه يأبى مجاراتهم ويصر على أن يفعل ما يراه صوابًا، تلجأ العائلة إلى الضابط مرة، وإلى السائق مرة، وإلى الطبيب، وإلى مسئول الجمعية، وفى كل مرة تفشل محاولاتهم فى مقابل تشبث عيد بإنسانيته؛ لذا يُسلم أخيرًا كوجبة سائغة للجائعين فى المطعم، حيث نرى أسرته تلتهمه بمساعدة الغرباء من رواد المطعم.
تضافرت عناصر الصورة «ديكور- أزياء مكياج» لتعكس الحالة الكابوسية لهذا العالم الذى تعكسه المسرحية، وجاء أداء الممثلين بارعًا فى تشخيص تلك الشخصيات الغرائبية العبثية التى تتفاخر بالقتل والاغتصاب والسرقة، وتخجل من كل فعل إنسانى طبيعى، إنه مقلب قمامة كبير والبشر يعيشون وسطه دون تحرج، يختبئون وراء أقنعة شائهة تخفى وجوههم الإنسانية لصالح وجه جديد يليق بقبح هذا العالم.
قدم المخرج إبراهيم المنيسى، الطالب فى الفرقة الرابعة بالمعهد العالى للفنون المسرحية، مسرحيته ضمن فعاليات ليالى مسرح المعهد العالى للفنون المسرحية بإشراف الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، والدكتورة إنجى البستاوى، مسئولة الأنشطة الطلابية، معتمدًا على القليل من المال، والكثير من الخيال.
















0 تعليق