الدبلوماسى الأمريكى جوى هود: ترامب ليس لديه أى حدود.. وآمل أن تدرك طهران ذلك

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال الدبلوماسى الأمريكى جوى هود، سفير الولايات المتحدة السابق لدى تونس، إن إيران تكبدت خسائر كبيرة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية خلال الحرب الأخيرة، فى حين يواجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عزلة دولية متزايدة بسبب خطاباته المتشددة، ما يضعف قدرته على بناء تحالف دولى لحماية الملاحة فى مضيق هرمز، ويجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيدًا فى المرحلة الحالية.

وأضاف «هود»، فى حواره لـ«الدستور»، أن الإدارة الأمريكية تتجه نحو مزيد من التصعيد عبر فرض حصار بحرى على الموانئ الإيرانية، مع احتمالات باتخاذ خطوات أكثر حدة قد تشمل السيطرة على جزر استراتيجية، محذرًا من أن هذا المسار قد يؤدى إلى خرق الهدنة واندلاع مواجهات بحرية فى منطقة الخليج.

■ بداية.. ما أسباب تعثّر الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية مع إيران فى باكستان؟

- لا يمكننا وصف ما جرى فى إسلام آباد بأنه مفاوضات، بل هو اجتماع تمهيدى على أعلى المستويات بين الحكومتين الأمريكية والإيرانية منذ عام ١٩٧٩، وقد كان التباين بين مواقف الطرفين كبيرًا جدًا، لدرجة حالت دون إجراء مفاوضات فعلية فى مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة، ويمكن اعتبار عدم اتخاذ أى من الطرفين قرارًا بعودة إطلاق النار، حتى الآن، نتيجة إيجابية لهذا اللقاء الأولى.

■ كيف تنظر الإدارة الأمريكية إلى خياراتها إذا تعثر مسار المفاوضات بشكل كامل؟

- من المرجح أن الرئيس ترامب يرى خياراته كما كانت قبل اجتماع إسلام آباد، سيستخدم الحصار البحرى، كما فعل فى كوبا وفنزويلا، لمزيد من الضغط الاقتصادى على طهران قبل السعى لجولة أخرى من المحادثات.

وقد يقرر الرئيس ترامب أيضًا الاستيلاء على جزر استراتيجية إذا لم تكن عمليات إزالة الألغام التى تقوم بها البحرية الأمريكية كافية لإقناع شركات الشحن والتأمين بأن المضيق آمن للملاحة مجددًا، ويجب أن نضع فى اعتبارنا أيضًا أنه قد تكون هناك محادثات تجرى سرًا، ففى نهاية المطاف، لا يمكن إجراء المفاوضات الدبلوماسية عبر وسائل الإعلام.

■ ما أبرز سيناريوهات التصعيد المحتملة وفق هذه الخيارات؟

- كما قلت، بعد الحصار، قد نرى القوات الأمريكية تسيطر على بعض الجزر الرئيسية، بما فى ذلك احتمال إعادة «أبوموسى» و«طنب الكبرى» و«طنب الصغرى» إلى السيادة الإماراتية.

فى المقابل، حذرت طهران من أن ردودها لم تعد تقتصر على المنطقة، وهو ما يُذكّر بهجماتها الإرهابية فى أوروبا والأرجنتين، ومحاولتها الفاشلة لاغتيال السفير السعودى آنذاك فى واشنطن عام ٢٠١١، وقد يُنفّذ الرئيس ترامب تهديداته بتدمير جزء كبير من البنية التحتية الحيوية لإيران.

■ هل يمكن خرق إطلاق النار؟

- نعم. من المرجح جدًا وقوع اشتباك بحرى مع استمرار الحصار، أو قد تشنّ إيران هجمات على موانئ الخليج العربى.

■ ما الشروط الواقعية لإحياء المفاوضات؟

- تجرى الولايات المتحدة وإيران محادثات، غالبًا بشكل غير مباشر، منذ عام ١٩٧٩، وأعتقد أن هذه المحادثات ستستمر على مستوى ما، وربما بعيدًا عن أعين العامة، على الرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية منذ سيطرة المتطرفين الإيرانيين على سفارتنا فى طهران واحتجازهم دبلوماسيينا كرهائن لأكثر من عام، إلا أن واشنطن وطهران تتواصلان منذ ذلك الحين بشكل شبه يومى حول كل شىء، بدءًا من تأشيرات المسئولين المسافرين إلى الأمم المتحدة وصولًا إلى المسابقات الرياضية، ويمكن استخدام هذه القنوات، وأنا متأكد من أنها تُستخدم حتى الآن.

■ هل من الممكن التوصل إلى اتفاق «جزئى» أو مؤقت بدلًا من اتفاق شامل؟

- أعتقد أن ذلك ممكن، وكان السبيل الوحيد الذى أحرزت من خلاله الولايات المتحدة وإيران تقدمًا على مر العقود، ففى عام ١٩٨١، حلّ اتفاق الجزائر أزمة الرهائن مقابل رفع بعض العقوبات، وفى عام ٢٠١٥، جرى التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووى الإيرانى مقابل تخفيف بعض العقوبات، لكن هذين الاتفاقين لم يتعرضا للتحديات الجوهرية بين الطرفين، ومن ثم سيبقى الصراع قائمًا بين البلدين، ما لم يُحسم باتفاق شامل. 

ومن سمات الرئيس ترامب السعى إلى اتفاقيات شاملة، كاتفاقيات أبراهام، مع ذلك، وكما ذكرتُ سابقًا، فإن موافقة طهران على مثل هذا الاتفاق الشامل للتعايش السلمى ستُلزم النظام بالتخلى عن جوهر وجوده، ألا وهو «مقاومة» الولايات المتحدة، و«مقاومة» استقرار الدول العربية واستقلالها وتنميتها الاقتصادية.

■ كيف تقيّم مكاسب وخسائر طهران وواشنطن فى هذه الحرب؟

- تضررت إيران على جميع المستويات، وهو أمر لا أراه يحظى بتغطية كافية فى وسائل الإعلام الإقليمية. 

عسكريًا، قضت الولايات المتحدة على قوة إيران التقليدية إلى حد كبير، وتقلصت قدراتها غير المتكافئة بشكل ملحوظ. صحيح أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولكن ليس بنفس الوتيرة التى كانت عليها فى بداية الحرب. 

إضافةً إلى ذلك، ضعفت قواتها الوكيلة فى لبنان وسوريا والعراق، ولا بدّ أن قادتها يُقيّمون جدوى الاستمرار فى خدمة طهران.

ودبلوماسيًا، مزّقت طهران علاقاتها مع دول الخليج العربى، ودفعتها نحو الولايات المتحدة ودول أخرى، كأوكرانيا. واقتصاديًا، تُعانى إيران من أسوأ وضعٍ لها على الإطلاق، بعد أربعة عقود من العقوبات المُرهِقة وسوء الإدارة الاقتصادية، والآن الحصار البحرى لموانئها. 

وسياسيًا، ورغم أن حكومتها لم تنهر، إلا أنها فقدت أكثر من أربعين من كبار قادتها، ويُعارضها جزء كبير من الشعب، وأعتقد أنه بمجرد انتهاء الصراع، ستكون هناك مُحاسبة بين الشعب الإيرانى وحكومته، لكن ذلك لن يحدث طالما أنهم مُعرّضون لهجوم من قوى أجنبية.

أما على الجانب الأمريكى، فيُواجه المُستهلكون تضخمًا مُتجددًا، ويواجه الرئيس دونالد ترامب عزلة دبلوماسية مُتزايدة. والرسائل المتطرفة حول محو الحضارة الإيرانية ومهاجمة البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان لن تكسبه أى أصدقاء، بغض النظر عن مدى رغبة الحكومات الأخرى فى تقييد طهران وإعادة فتح مضيق هرمز.

■ هل كانت هناك بدائل دبلوماسية لم تُستغل بالشكل الأمثل لمنع وقوع الحرب؟

- أبدت طهران سابقًا استعدادها لتقييد بعض عناصر برنامجها النووى مقابل تخفيف العقوبات، لكن هذا لم يكن الهدف الوحيد للرؤساء الأمريكيين على مدى العشرين عامًا الماضية على الأقل.

سعى كل من الديمقراطيين والجمهوريين إلى وضع حد لهجمات طهران على أفراد الجيش الأمريكى، وعلى عدد لا يحصى من الآخرين فى المنطقة، لا سيما عبر جماعات مثل «حزب الله»، كما سعوا إلى الحد من برامج إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة بحيث تقتصر على الجانب الدفاعى. 

ولا أعتقد أنه كانت هناك بدائل دبلوماسية متاحة من شأنها تحقيق كل هذه الأهداف، لأنه لو وُجدت، لكان ذلك سيُلزم النظام فى طهران بتغيير أيديولوجيته الأساسية، وهو ما يُعد انتحارًا سياسيًا بالنسبة لهم.

■ هل الحرب أعادت صياغة لقواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة؟

- على مدى عقود، سعت كلتا الحكومتين إلى تجنب تجاوز الخطوط الحمراء للأخرى لتفادى حرب شاملة. ومع ذلك، كاد البلدان أن ينزلقا إلى الحرب فى عدة مناسبات، فعندما قتلت إيران أكثر من ٢٠٠ جندى من مشاة البحرية الأمريكية عام ١٩٨٣، عن طريق «حزب الله»، أظهر الرئيس الأسبق رونالد ريجان ضبطًا استثنائيًا للنفس بعدم الرد بالقوة. 

وبالمثل، عندما اغتال الرئيس ترامب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى، قاسم سليمانى، عام ٢٠١٩، كان رد طهران رمزيًا إلى حد كبير، مقارنةً بالخسارة التى مُنيت بها، وحتى رد إيران على قصف مواقعها النووية فى يونيو الماضى اعتبره معظم المحللين رد فعل مدروسًا يهدف إلى عدم تصعيد الأمور، لكن من الواضح أن مفاوضى طهران أساءوا فهم دونالد ترامب، ظنًا منهم أنهم يتعاملون مع الشخص نفسه الذى تفاوضوا معه خلال ولايته الأولى، لقد تغير ترامب، وبالتالى تغيرت قواعد اشتباكه، ولا أعتقد أن لديه أى حدود فى هذه المرحلة، وآمل أن تبدأ طهران فى إدراك ذلك، فلا الكونجرس ولا المحكمة العليا مستعدان لتقييده بأى شكل من الأشكال.

■ ما إمكانية احتواء البرنامج النووى؟

- يختلف الوضع الآن اختلافًا كبيرًا عما كان عليه فى عام ٢٠١٥، بسبب انعدام الثقة التام بين الحكومتين، ويبدو أن معظم اليورانيوم الإيرانى عالى التخصيب مدفون فى أعماق الأرض، ما يستلزم عمليات معقدة لاستخراجه ونقله بأمان، ومع رحيل خامنئى، لن يثق الجانب الأمريكى بأن قادة طهران الجدد لن يسعوا لامتلاك سلاح نووى الآن لمنع هجوم آخر بهذا الحجم. 

وأعتقد أن الجانب الإيرانى، فى هذه المرحلة، لا يثق بالرئيس ترامب أو رئيس الوزراء نتنياهو، فى مسألة شن هجوم آخر، حتى مع وجود اتفاق غير رسمى.

■ كيف تنظرون إلى الدور المصرى فى محاولة التهدئة؟

- أشيد بالوساطة المصرية، وأذكر أنه- باستثناء حالات نادرة- لم تتواصل واشنطن وطهران مباشرةً منذ ٤٧ عامًا؛ لذا فإن وجود وسطاء موثوق بهم كالقاهرة أمرٌ بالغ الأهمية، وأعتقد أن وجود دولة ذات نفوذ دبلوماسى كبير مثل مصر، نشطة فى العملية منذ البداية، عزز ثقة باكستان كمضيفة للمواجهة الأولية بين الجانبين.

■ كيف يُمكن حلّ أزمة مضيق هرمز؟

- لا يُمكن حلّها إلا باستعادة حرية الملاحة الكاملة لجميع السفن. إيران لا تملك حلفاء، وحتى لو كان لديها، فلن يقبل أحد فى العالم بأن تسيطر أى دولة- خاصة إيران- على مضيق استراتيجى. إذا ما رضخ العالم لهذا الوضع، فما الذى سيمنع دولًا أخرى، أو حتى جهات فاعلة غير حكومية، من بسط سيطرتها على مضائق مثل ملقا وجبل طارق وباب المندب؟.. هذا هو تعريف القرصنة بحد ذاته، ولن يقبله أحد. 

وفى الوقت نفسه، لا يبدو أن هناك ثقة كافية بين الجانبين لقبول إيران أى ضمانات من الولايات المتحدة وإسرائيل بوقف جميع الهجمات مقابل تخلى طهران عن تهديداتها للملاحة البحرية.

وحتى لو حدث ذلك، فقد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تقتنع شركات الشحن والتأمين بما يكفى لاستئناف إرسال سفنها عبر المضيق. 

باستثناء تغيير مفاجئ فى نهج طهران، فإن السيناريو الوحيد المحتمل لإعادة فتح المضيق هو قيام تحالف بحرى دولى بدوريات فى الممر المائى وتحذير طهران من أن أى هجوم على أى سفينة سيُعتبر هجومًا على جميع السفن، وسيؤدى إلى رد فعل ساحق، ليس فقط من الولايات المتحدة وإسرائيل، بل من التحالف بأكمله. 

ولسوء الحظ، فإن ابتعاد الرئيس ترامب عن جميع حلفاء أمريكا التقليديين تقريبًا يجعل احتمال تشكيل مثل هذا التحالف ضئيلًا للغاية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق