ترأس قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، صلوات الجمعة العظيمة من داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وسط حضور واسع من الأساقفة والكهنة وجموع الشعب، في أجواء روحانية يغلب عليها الخشوع والتأمل في آلام السيد المسيح.
وخلال العظة التي ألقاها قداسته، تحدث عن معاني يوم الصليب، مؤكدًا أنه يوم الحب الإلهي الأعظم في تاريخ البشرية.
يوم الحب الإلهي
وقال قداسة البابا: «هذا اليوم هو يوم الصليب، نُسمِّيه الجمعة العظيمة، وجمعة الصلبوت، وعيد الصليب. وبرغم تعدد التسميات، فإنه يظل يوم الحب العجيب والعظيم.
في مجتمعات كثيرة يختارون يومًا للاحتفال بالحب، أما عيد الحب الحقيقي للإنسانية كلها فهو يوم الصليب المجيد. لذلك نُسمِّي هذا اليوم "عيد الحب الإلهي"، إذ لم يظهر حب الله للبشرية في حدث كما ظهر في هذا اليوم. فهو يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب؛ بين المسيح الذي قيل عنه: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت"، وبين الإنسان الذي خلقه الله بمحبته».
محاور التأمل في يوم الصليب
وأضاف: «ونحن نتابع صلوات وألحان وطقس هذا اليوم، نرى أمامنا ثلاثة أمور رئيسية:
محبة الصليب، وعلامة الصليب، وفاعلية الصليب».
أولًا: محبة الصليب
وأوضح البابا تواضروس الثاني: «موت المسيح لم يكن مصادفة، بل جاء لأجل هذا اليوم. فمنذ التجسد، كان الصليب حاضرًا أمامه؛ في ميلاده بالمذود كحملٍ معدٍّ للذبيحة، وفي عرس قانا الجليل حين قال: "لم تأتِ ساعتي بعد"، في إشارة إلى ساعة الصليب.
لقد جاء المسيح ليطلب ويخلّص ما قد هلك، بعدما أفسدت الخطية طبيعة الإنسان منذ سقوط آدم، فأظلمت فكره وأضعفت ضميره. لكن محبة الله لم تتغير، بل بلغت ذروتها على الصليب، حيث صار الصليب محطة الحب الإلهي للإنسان».
وتابع: «الله لم يُخاطبنا من بعيد، بل جاء إلينا وعاش بيننا، وشاركنا حياتنا وآلامنا. وفي العهد القديم أرسل الأنبياء، أما في ملء الزمان فقد كلمنا في ابنه الوحيد».
وأكد قداسته: «أقصى تعبير عن الحب هو أن تعطي لمن تحب، وأن تتألم من أجله، وهذا ما فعله المسيح حين حمل خطايانا وآلامنا، وصار دمه يطهر من كل خطية».
وأشار إلى صفات هذه المحبة قائلًا: «هي محبة مجانية تشمل الجميع، قوية وثابتة، رقيقة وغافرة، مملوءة حنانًا، لا تتغير، كالأم وكالأب وكالعريس».
ثانيًا: علامة الصليب
وقال البابا: «الصليب يحمل معاني عميقة؛ فهو علامة علنية ظهرت على جبل الجلجثة، وسبب فخر وانتصار، وعلامة للمصالحة بين الله والإنسان. كما أنه حمل اللعنة وأبطلها، وصار جسرًا يربط السماء بالأرض».
وأضاف: «المسيح لم يهرب من الصليب، بل حوّله إلى علامة مجد، لذلك نقول: "مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ"».
ثالثًا: فاعلية الصليب
واختتم البابا تواضروس الثاني حديثه قائلًا: «للصليب فاعلية حقيقية في حياتنا، أبرزها المحبة، والغفران، والفرح.
فمحبة الله تنسكب في القلوب، والعالم اليوم في أشد الاحتياج إليها. والمسيحية ديانة الغفران كما أعلن المسيح: "يا أبتاه اغفر لهم". أما الفرح، فهو ثمرة القيامة، إذ فرح التلاميذ عندما رأوا الرب».
واختتم قداسته العظة بقوله: «في هذا اليوم، يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب، نتأمل محبة الصليب وعلامته وفاعليته. نصلي أن يمنحنا المسيح أن نحيا بهذه المحبة، ونستعد بقلوب مملوءة رجاء لفرح القيامة».
«حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح».











0 تعليق