في مسيرة تمتد لعقود، ترك الدكتور الطاهر أحمد مكي (7 أبريل 1924- 5 ابريل 2017) بصمة فريدة في حقل الأدب العربي والدراسات المقارنة، جامعًا بين عمق الباحث ودقة المترجم، ليصبح أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في مدّ جسور التواصل بين الثقافة العربية ونظيراتها العالمية، خصوصًا الثقافة الإسبانية، في السطور التالية نستعرض دور الدكتور الطاهر أحمد مكي فى الترجمة ومنجزه الأدبي وفى الترجمة.

نشأته ومسيرته العلمية
وُلد الطاهر أحمد مكي عام 1924، وتخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، قبل أن يشق طريقه العلمي نحو الدراسات العليا في إسبانيا، حيث تعمق في اللغة والأدب الإسباني، متأثرًا بتراث الأندلس، الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم محاور مشروعه الفكري.
لم يكن اهتمامه بالأندلس مجرد حنين تاريخي، بل رؤية علمية تسعى إلى فهم التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، وكيف أسهم الأدب العربي في تشكيل ملامح الأدب الأوروبي خلال العصور الوسطى.

دراسات الأندلس مثلت محورًا أساسيًا في أعمال مكي
شكّلت دراسات الأندلس محورًا أساسيًا في أعمال مكي، حيث تناولها بوصفها نموذجًا حيًا للتلاقح الثقافي. ومن خلال أبحاثه، أعاد قراءة هذا التراث بعيدًا عن الرؤية التقليدية، مسلطًا الضوء على التأثيرات المتبادلة بين الحضارتين العربية والأوروبية.
وقد انعكس هذا التوجه في عدد من مؤلفاته البارزة التي ناقشت الأدب الأندلسي، وتاريخه، وأثره في الآداب العالمية، ليصبح مرجعًا مهمًا للباحثين في هذا المجال.
كان يرى أن الترجمة وسيلة لنقل المعرفة وتوسيع آفاق القارئ العربي
لم يكتفِ مكي بالدراسة والتنظير، بل انخرط بعمق في مجال الترجمة، إدراكًا منه لأهميتها كوسيلة لنقل المعرفة وتوسيع آفاق القارئ العربي، فقد ترجم أعمالًا أدبية وفكرية من الإسبانية إلى العربية، مسهمًا في تعريف القارئ العربي بأدب أمريكا اللاتينية وإسبانيا.
وكان يرى أن الترجمة ليست مجرد نقل لغوي، بل عملية إبداعية تتطلب فهمًا عميقًا للنص وثقافته، وهو ما انعكس في دقة اختياراته وجودة ترجماته.

قدم إسهامات بارزة في النقد الأدبي وعمل على تحقيق عدد من النصوص العربية القديمة
إلى جانب الترجمة، قدّم الطاهر أحمد مكي إسهامات بارزة في النقد الأدبي وتحقيق التراث، حيث عمل على تحقيق عدد من النصوص العربية القديمة، معتمدًا منهجًا علميًا دقيقًا يجمع بين الفهم اللغوي والتحليل التاريخي.
كما أسهم في تطوير الدراسات النقدية، خاصة في مجال الأدب المقارن، حيث دعا إلى تجاوز الحدود الجغرافية في دراسة الأدب، والنظر إليه بوصفه نتاجًا إنسانيًا مشتركًا.
على مدار سنوات عمله الأكاديمي، تتلمذ على يد مكي أجيال من الباحثين والدارسين، الذين حملوا أفكاره وواصلوا مسيرته في مجالات الأدب والترجمة.

وقد عُرف عنه التواضع العلمي والصرامة الأكاديمية، ما جعله يحظى باحترام واسع داخل الأوساط الثقافية؛ رحل الطاهر أحمد مكي في عام 2017، لكنه ترك إرثًا علميًا لا يزال حاضرًا بقوة، سواء في كتبه أو في طلابه أو في التأثير الذي أحدثه في حقل الدراسات الأدبية.
ويظل مشروعه نموذجًا للمثقف الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، مؤمنًا بأن الثقافة لا تزدهر إلا بالحوار، وأن الترجمة هي الأداة الأهم لبناء هذا الحوار.















0 تعليق