الصين وروسيا على خط الحرب.. قوة ناعمة أم نفوذ صامت؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في اليوم الـ37 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتسارع وتيرة الأحداث على نحو غير مسبوق، بينما تعلو صفارات الإنذار ويتردد دوي الانفجارات، في مشهد تتشابك فيه المواجهة العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية المعقدة.

ضربات جوية أمريكية إسرائيلية تستهدف مواقع عسكرية وصاروخية ومنشآت نووية داخل إيران، تقابلها هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة تطال أهدافًا إسرائيلية وقواعد أمريكية في الخليج، في تصعيد متواصل يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة تتجاوز كل الخطوط الحمراء، وينذر بمرحلة أكثر خطورة في مسار الصراع.

في خضم هذا المشهد، تتحرك الصين بهدوء محسوب لتعزيز حضورها الدولي، ساعية إلى ترسيخ موقعها كقوة توازن قادرة على التأثير في مسارات الأزمات.

قد كثفت بكين نشاطها الدبلوماسي عبر مبادرة مشتركة من خمس نقاط بالتنسيق مع باكستان، وحاولت حشد دعم إقليمي، كما عارضت أي تفويض دولي باستخدام القوة لفتح مضيق هرمز.

وتعكس هذه التحركات توجها صينيًا لإدارة الأزمة سياسيًا، مع تجنب الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية، خصوصًا في ظل فتور الاستجابة الأمريكية لمقترحات التهدئة.

ويرتبط هذا التحرك بأولويات صينية واضحة، في مقدمتها أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة الدولية.إيران تمثل بالنسبة لبكين شريكًا استراتيجيًا ضمن شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية، ما يجعل استقرارها عاملا مؤثرًا في حسابات الأمن القومي الصيني، ليس من منظور سياسي فحسب، بل من زاوية اقتصادية بعيدة المدى.

وعلى الصعيد العسكري، يتجاوز الدور الصيني حدود الدعم السياسي ليشمل بعدًا تقنيًا واستراتيجيا أسهم في تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية، مؤكدًا أن الصين لا تزال تثبت تفوقها العسكري وقدرتها على التأثير في موازين القوة الإقليمية.

الشراكة طويلة الأمد بين البلدين أتاحت تعاونًا في مجالات الرصد والإنذار المبكر، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى تقنيات الطائرات المسيرة والاتصالات العسكرية.

هذا النوع من الدعم، الذي يأتي غالبًا في إطار نقل خبرات وتحديث منظومات، عزز قدرة إيران على إدارة المجال الجوي ورفع كلفة أي هجوم واسع عليها، بما انعكس بوضوح في الرد الإيراني على الضربات الأمريكية، حيث أظهرت طهران قدرة متقدمة على التعامل مع التهديدات الجوية، بما في ذلك استهداف وإسقاط مقاتلات أمريكية، في مؤشر على تحسن مستوى الكفاءة الدفاعية والتنسيق العملياتي، وبصمة صينية واضحة في المستوى العملياتي للمواجهة.

ومع ذلك، تحرص الصين على إبقاء دعمها ضمن سقف محسوب يمنع تحول الشراكة إلى تحالف عسكري معلن. فهي تدرك أن الانخراط الصريح قد يعرض مصالحها الأوسع للخطر، خصوصًا في ظل علاقاتها المتشابكة مع دول الخليج والاقتصاد العالمي.

ومن هنا تمارس بكين سياسة توازن دقيقة، تعزيز موقع طهران استراتيجيًا مع الحفاظ على هامش مناورة سياسي يجنبها صدامًا مباشرًا مع الولايات المتحدة، بينما يبقى السؤال مطروحًا: هل ستخرج الصين من الظل لتدعم إيران بشكل علني إذا تصاعد التهديد الأمريكي، أم ستختار الانسحاب والتخلي عن هذا الدعم؟

على المستوى الدولي، تتابع روسيا تطورات المشهد مستفيدة من انشغال واشنطن لإعادة ترتيب بعض معادلات النفوذ، مع مؤشرات إلى تنسيق سياسي وعسكري غير مباشر مع إيران.

وهكذا يتحول الصراع من مواجهة إقليمية إلى ساحة تنافس بين قوى كبرى، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن بالطموحات الاقتصادية وإعادة تشكيل موازين القوى.

في ظل هذا التصعيد الإقليمي المتصاعد، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة دقيقة، فقد بدا أن الوقت قد حان للتصعيد غير المسبوق، ولا مفر من تحرك حاسم.

قد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منشور على منصة “تروث سوشيال”، إيران بفتح مضيق هرمز فورًا، ملوحًا بعواقب عسكرية وخيمة في حال عدم الامتثال. وجاء خطابه حادًا واستفزازيا حين كتب: «افتحوا المضيق أيها المجانين، أو ستعيشون في الجحيم»، مشيرًا إلى أن يوم الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور» في إيران،

في إشارة إلى ضربات محتملة تستهدف البنية التحتية الحيوية. ويعكس هذا التصعيد محاولة واشنطن فرض الردع وحماية حرية الملاحة، لكنه يرفع في الوقت ذاته احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع في المنطقة.

إيران، بدورها، تدرك أهمية ورقة مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية، لكنها تعي كذلك أن استخدامها بصورة مباشرة قد يفتح الباب أمام تحالف دولي أوسع ضدها. ومن هنا تتشابك حسابات الردع مع ضرورات تجنب حرب شاملة، في توازن هش تحكمه رسائل القوة بقدر ما تضبطه الحسابات السياسية.

يقف المشهد الإيراني،الصيني الأمريكي عند مفترق طرق حاسم.الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل بات اختبارًا لطبيعة النظام الدولي وتوازناته.

وبين خيار التصعيد وخيار الاحتواء، تتحدد ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي لسنوات طويلة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح الدولية أكثر من أي وقت مضى، لم تعد القوة تقاس بامتلاك أدوات الحرب وحدها، بل بالقدرة على إدارة التوازنات وتحويل لحظات الخطر إلى فرص لمنع الشرارات من التحول إلى حرائق إقليمية شاملة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق