قالت الكاتبة والمحللة السياسية الفلسطينية الدكتورة تمارا حداد، إن قرار تل أبيب فتح أو توسيع المواجهة على أكثر من جبهة في توقيت متقارب، يشمل فلسطين ولبنان وإيران، لا يمكن فهمه باعتباره خطوة عسكرية تقليدية فقط، بل يندرج ضمن استراتيجية مركبة تجمع بين اعتبارات أمنية وسياسية داخلية، إلى جانب أهداف ردع إقليمي ممتد.
وأوضحت "حداد"، في تصريحات خاصة لـ "الدستور"، أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة باتت تقوم على مفهوم “الحرب متعددة الجبهات”، والذي ينطلق من تقدير استراتيجي مفاده أن أخطر سيناريو قد تواجهه الاحتلال يتمثل في توحد ساحات المواجهة المختلفة، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو حتى إيران ووكلائها، ضمن حرب إقليمية شاملة ومترابطة.
وأضافت أن هذا الإدراك دفع تل أبيب إلى تبني مبدأ الضربات المتزامنة أو الاستباقية، بحيث تسعى إلى تفكيك التهديدات قبل أن تتكامل أو تتوحد في هجوم مشترك، مشيرة إلى أن فتح عدة جبهات في توقيت تختاره إسرائيل يمنحها أفضلية المبادرة بدلًا من الانتظار في موقف رد الفعل.
ونوهت بأن الهدف النهائي لتلك الاستراتيجية لا يتمثل في التعامل مع جبهات منفصلة، بل في استهداف “محور واحد” يعتبره الاحتلال شبكة عسكرية متكاملة تقودها طهران، لافتة إلى أن تل أبيب تنظر إلى حركات المقاومة في فلسطين وحزب الله في لبنان، إضافة إلى إيران، باعتبارها مكونات مترابطة ضمن منظومة واحدة.
ولفتت إلى أن هذا التصور يفسر لماذا لا ترى إسرائيل أن ضرب غزة فقط كافي، أو أن احتواء جبهة لبنان وحدها يمكن أن يمنع التصعيد، إذ تعتبر أن مركز الثقل الحقيقي يكمن في إيران، وبالتالي فإن تعدد الجبهات، من وجهة نظرها، لا يعني توسيع نطاق الحرب، بل خوض حرب واحدة ضد بنية إقليمية متماسكة.
وأشارت "حداد" إلى أن أحد أبرز دوافع هذا التوجه يتمثل في محاولة استعادة قوة الردع التي تعرضت لتآكل نسبي خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الهجمات والاختراقات الأمنية التي طالت إسرائيل، وهو ما خلق داخل المؤسسة العسكرية شعورًا بتراجع هيبة الردع التقليدي.
وأوضحت أن فتح عدة جبهات في آن واحد يهدف إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل قادرة على القتال في أكثر من ساحة بالتوازي، وأن أي تصعيد لن يُقابل برد محدود، بل برد واسع قد يمتد إلى الإقليم بأكمله، بما يرفع كلفة المواجهة على الخصوم، خاصة إيران التي تعتمد على استراتيجية الاستنزاف عبر الوكلاء.
وفيما يتعلق بالبعد السياسي الداخلي، لفات "حداد" إلى أنه لا يمكن فصل القرار العسكري عن السياق السياسي داخل إسرائيل، في ظل ما تشهده من أزمات حكومية وانقسامات داخلية، إلى جانب الضغوط المتزايدة على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتراجع مستويات الثقة الشعبية في المؤسسة الأمنية.
وأضافت أن التاريخ السياسي الإسرائيلي يُظهر أن الحروب في بعض الأحيان تتحول إلى أداة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية أو لتأجيل أزمات سياسية وقضائية، موضحة أن خيار الحرب متعددة الجبهات يعيد ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي حول مفهوم الأمن القومي، بما قد يسهم في تخفيف حدة الانقسامات الداخلية.
كما لفتت إلى وجود عامل استراتيجي زمني لا يقل أهمية، يتمثل في سعي إسرائيل إلى منع تغير ميزان القوى في المستقبل، في ظل تقديرات تشير إلى أن السنوات القادمة قد تكون أكثر خطورة، نتيجة تطور برنامج الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، وتقدم البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب تزايد التنسيق بين مختلف ساحات المواجهة.
وأشارت إلى أن هذا الواقع يفرز منطقًا استراتيجيًا داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي مفاده أن خوض المواجهة في الوقت الراهن قد يكون أقل كلفة مقارنة بحرب محتملة بعد عدة سنوات، عندما تصبح قدرات الخصوم أكثر تطورًا وتعقيدًا.
وقالت الكاتبة الفلسطينية إن قرار فتح عدة جبهات في توقيت واحد هو نتاج تداخل أربعة دوافع رئيسية، تتمثل في استباق حرب إقليمية محتملة بدل انتظارها، واستهداف شبكة تهديد موحدة تقودها إيران، والعمل على استعادة الردع العسكري والنفسي، إلى جانب اعتبارات سياسية داخلية وضغط الزمن الاستراتيجي، لافتة إلى أن هذا التوجه يعكس تحولًا في طبيعة التفكير الأمني الإسرائيلي من إدارة الأزمات إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالكامل.
















0 تعليق