.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
عرف الإنسان الفن بوصفه وسيلة للتعبير قبل نشوء علم النفس الحديث بقرون طويلة، فقدم الرسوم الجدارية والرموز والزخارف والتماثيل الصغيرة، وكلها تكشف أن الإنسان وجد في الصورة طريقة لترتيب علاقته بالعالم وبالخوف وبالموت وبالجماعة، وبالطبيعة، غير أن العلاج بالفن بالمعنى المهني ظهر في سياق مختلف، حين بدأت المؤسسات الطبية والنفسية في القرن العشرين تلاحظ أن ممارسة الرسم والتشكيل تساعد بعض المرضى على التعبير والتهدئة واستعادة الإحساس بالقدرة والسيطرة.
هنا انتقلت الصورة من كونها عملًا جماليًا إلى كونها وسيطًا علاجيًا، فالهدف داخل جلسة العلاج بالفن لا يتجه إلى إنتاج لوحة جميلة تصلح للعرض، بل إلى فهم التجربة الداخلية للشخص، ومساعدته على التعبير الآمن، وفتح مساحة للحوار حول ما ظهر في العمل الفني، وما حمله من مشاعر أو رموز أو ذاكرة.
العلاج بالفن .. أدريان هيل
يرتبط الميلاد الحديث لمصطلح "العلاج بالفن" بالفنان البريطاني أدريان هيل، الذي كان يتعافى من مرض السل في أحد المصحات خلال أربعينيات القرن العشرين، وأثناء فترة العلاج، وجد هيل في الرسم وسيلة لتخفيف الضغط النفسي ومقاومة العزلة وتنظيم التجربة الداخلية التي يعيشها المريض، ومن هذه التجربة الشخصية خرجت فكرة استخدام الفن داخل السياق الطبي بوصفه طريقًا للتعبير والدعم.
في عام 1942 شاع استخدام مصطلح "Art Therapy" منسوبًا إلى أدريان هيل، ثم نشر أفكاره لاحقًا في كتابه "Art Versus Illness" عام 1945، حيث طرح الفن بوصفه قوة تساعد المريض على مواجهة المرض، واستعادة الصلة بالحياة، وسرعان ما انتقلت الفكرة من تجربة فردية إلى برامج داخل مصحات ومستشفيات، خصوصًا مع مرضى السل والجنود والمرضى المقيمين لفترات طويلة.
العلاج بالفن.. إدوارد آدمسون
بعد أدريان هيل، برز اسم الفنان البريطاني إدوارد آدمسون، الذي ارتبط بإدخال الفن إلى بعض المصحات النفسية في بريطانيا، عمل آدمسون مع مرضى يقيمون لفترات طويلة داخل المؤسسات النفسية، وأسهم في ترسيخ فكرة المرسم داخل المستشفى، حيث يجد المريض مكانًا آمنًا للإنتاج البصري والتعبير الحر.
كانت تجربة آدمسون مهمة لأنها وضعت الفن داخل قلب المؤسسة النفسية، ولفتت الانتباه إلى قيمة الأعمال الفنية التي ينتجها المرضى باعتبارها تعبيرًا عن عالم داخلي شديد الخصوصية، وقد تكونت عبر هذه التجربة مجموعة كبيرة من الأعمال التي عُرفت لاحقًا باسم "Adamson Collection"، وأصبحت جزءًا مهمًا من تاريخ الفن والعلاج والطب النفسي في بريطانيا.
ومع آدمسون، أخذ العلاج بالفن في بريطانيا مسارًا مهنيًا أكثر وضوحًا، حتى تأسست الجمعية البريطانية للعلاج بالفن عام 1964، لتصبح واحدة من المحطات الأساسية في تحويل الممارسة إلى مهنة منظمة.
العلاج بالفن.. مارجريت نومبرج
في الولايات المتحدة، ارتبط تأسيس العلاج بالفن باسم مارجريت نومبرج، وهي من أهم الشخصيات التي نقلت الفن إلى المجال العلاجي النفسي من زاوية التحليل النفسي، رأت نومبرج أن التعبير الفني الحر يتيح ظهور رموز ومشاعر كامنة، وأن الصورة تستطيع أن تعمل مثل لغة رمزية تكشف ما يصعب قوله بالكلام المباشر.
اعتمدت نومبرج على فكرة أن الرسم قد يفتح طريقًا إلى اللاوعي، وأن العمل الفني داخل الجلسة يمكن أن يصبح مادة للحوار بين المعالج والمريض، وقد عرفت مقاربتها باسم العلاج بالفن ذي التوجه الديناميكي، أي العلاج الذي يستند إلى فهم الصراعات الداخلية والرموز والمشاعر العميقة.
العلاج بالفن .. إديث كرامر
إديث كرامر فنانة ومعالجة كان لها دور كبير في تطوير العلاج بالفن داخل الولايات المتحدة، اتجهت كرامر إلى رؤية مختلفة نسبيًا، إذ أعطت للعملية الفنية نفسها قيمة علاجية، فالشفاء عندها يرتبط بفعل التشكيل، وبالتعامل مع الخامة، وبالقدرة على تحويل الفوضى الداخلية إلى شكل مرئي.
تمثل كرامر اتجاه "الفن كعلاج"، حيث يصبح الاشتغال الفني نفسه وسيلة لتنظيم الانفعال، وبناء الإحساس بالسيطرة، وتطوير الذات، واكتساب مهارات نفسية وسلوكية. ومن هنا جاء الاختلاف الشهير داخل تاريخ المجال بين اتجاهين كبيرين: اتجاه يركز على الفن كوسيلة لفهم اللاوعي والحوار النفسي، واتجاه يركز على العملية الفنية باعتبارها علاجًا في ذاتها.
تأسيس الجمعيات المهنية
شهدت ستينيات القرن العشرين مرحلة مهمة في تحول العلاج بالفن إلى مهنة منظمة، ففي بريطانيا تأسست الجمعية البريطانية للعلاج بالفن عام 1964، وفي الولايات المتحدة تأسست الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن عام 1969، ومنذ ذلك الوقت بدأ المجال يتحرك من المبادرات الفردية إلى التخصص المهني، عبر وضع معايير التدريب، وتنظيم الممارسة، وإصدار مجلات علمية، وتطوير برامج أكاديمية.
كان تأسيس هذه الجمعيات خطوة حاسمة، فقد أصبح العلاج بالفن مجالًا يجمع بين الفن وعلم النفس والطب النفسي والتربية والخدمة الاجتماعية والعمل المجتمعي، كما ظهرت الحاجة إلى معالجين يمتلكون معرفة مزدوجة: معرفة بالخامات والتعبير البصري، ومعرفة بالنمو النفسي، والصدمات، والاضطرابات، وأخلاقيات العلاج.
العلاج بالفن اليوم
أصبح العلاج بالفن اليوم جزءًا من عائلة أوسع تسمى "العلاجات بالفنون" أو "العلاجات الإبداعية"، وتشمل أيضًا العلاج بالموسيقى، والعلاج بالدراما، والعلاج بالحركة والرقص، وتتعامل مؤسسات صحية كثيرة مع هذه العلاجات بوصفها طرقًا مساعدة في دعم الصحة النفسية والتعبير والتواصل، خصوصًا مع الأشخاص الذين يجدون صعوبة في الكلام المباشر.
وفي بريطانيا، تحظى مهنة المعالج بالفن بوضع مهني منظم، حيث تُعد بعض الألقاب المرتبطة بالفن العلاجي ألقابًا مهنية محمية، وتخضع للتنظيم عبر مجلس المهن الصحية والرعاية. ويؤكد ذلك أن المجال خرج من منطقة الهواية أو الورشة الفنية إلى منطقة التخصص النفسي المنظم.
أما عالميًا، فقد ازدادت أهمية الفنون في الصحة العامة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد توسع الدراسات التي تربط بين المشاركة الفنية وتحسين الرفاه النفسي والاجتماعي. وقد عزز تقرير منظمة الصحة العالمية عام 2019 هذا الاتجاه، حين جمع آلاف الدراسات حول دور الفنون في الوقاية، ودعم الصحة، والمساعدة في إدارة بعض الحالات المرضية.

















0 تعليق