.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
يرجع تاريخ الكتابة والقراءة بوجه عام إلى آلاف السنين فلم يكن المصري القديم منشغلًا فقط ببناء المعابد والأهرامات، بل عرف أيضًا فن الحكاية ونسج القصص التي حملت خياله ومعتقداته وتجارب حياته اليومية، ففي عصر الدولة القديمة ظهرت البدايات الأولى للسرد الأدبي، حيث امتزجت الأسطورة بالحكمة، والواقع بالخيال، لتكشف هذه القصص عن مجتمع امتلك حسًا فنيًا وإنسانيًا مبكرًا، جعل من الكلمة وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الروح المصرية القديمة، ونتوقف اليوم مع قصة "الغريق" كما ذكرها عالم المصريات الكبير سليم حسن.
قصة هلاك الإنسانية
يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر: الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وفي فصل بعنوان "القصص المصري"، عن قصة "هلاك الإنسانية" شعر الإله «رع» إله الشمس أنه صار مسنًّا، وأن رعيته من بني الإنسان يتآمرون على قتله، فاستنجد بالإلهة «حتحور» التي تُسمَّى في هذه القصة «عين رع»؛ لتقضي على بني الإنسان جملةً، ولكنها بعد أن بدأت عملها عَزَّ على الإله «رع» ذلك، فدبَّرَ طريقة ينقذ بها مَن بقي من البشر، ويخلصهم من بطش هذه الإلهة، وتم له ذلك بمعونة شراب الجعة الذي حبب إلى قلبها، فاحتست منه حتى ثملت ولم تَعِ ما كانت تريد.
دراسة قصة هلاك الإنسانية
وفي دراسة القصة أوضح سليم حسن: "تمثِّل لنا هذه القصة — أو بعبارة أدق هذه الخرافة — نوعًا من الشعر القصصي الذي يدور حول «الإلهة حتحور» إلهة السماء، والإله «رع» إله الشمس، وقد حُفِظت لنا بتوفيق غريب؛ إذ إنها كانت قد نُقِلت في كتاب تعويذات سحرية، وقد نُقِش هذا الكتاب على جدران مقبرة الملك سيتي الأول من الأسرة التاسعة عشرة، ثم على جدران مقبرة رعمسيس الثالث من الأسرة العشرين، ووردت هذه القصة فيما نُقِش باعتبارها جزءًا من هذا الكتاب كما وُجِدت مكتوبة على «ناووس» «توت عنخ آمون» الخشبي (ولم تُنشَر بعدُ)، غير أنه من النقشين الأولين — وإنْ وُجِدا مهشمين — استطعنا أن نحصل على نص كامل تقريبًا لهذه الخرافة، ويرجع تاريخ هذه الوثيقة إلى الدولة الوسطى، والمرجح أنها كُتِبت في بدايتها".
وأضاف سليم حسن، على أن أول ما يسترعي النظر في أسلوب هذه القصة هو سذاجة التعبير، والتكرار الممل، كالذي نسمعه في بيوتنا عندما تُقَصُّ علينا خرافة من الخرافات، يضاف إلى ذلك أن القصة تحتوي على اشتقاقات لغوية خاصة بأسماء الآلهة تلفت نظر المشتغلين باللغة المصرية، وكذلك نجد فيها صورة طريفة للاحتفالات والمراسيم المحلية التي كان لا بد منها في الطقوس المصرية.
أما أهم ما يلفت النظر فيها من حيث القصص، فهو وجه الشبه بين قصة الطوفان الذي جاء ذكره في الكتب المقدسة، والذي كان من جرَّائه فناء الإنسانية تقريبًا، وبين فيضان الشراب الذي غمر البلاد المصرية في قصتنا، مع الفارق أن الخيال المصري في قصتنا قد قلب الطوفان الذي أُرسِل هناك لهلاك البشر، ليكون حافظًا ورحمةً لهم هنا. ولكننا نذكر هذه المقابلة بشيء كبير من التحفُّظ المقرون بالشك، وسيبقى هذا الشك موجودًا إلى أن تصل إلينا وثائق أخرى تثبت حدوث هذا الطوفان في مصر، وبخاصة إذا علمنا أن «أفلاطون» قد أنكر ذلك.
والواقع أنه لا يوجد في الوثائق المصرية خرافة خاصة بالطوفان، والمصدر الوحيد الذي تلمح فيه عن بُعْدٍ إشارةً عن الطوفان هي الخرافة الخاصة «بأوزير» أو «حور» جَدِّ بني الإنسان؛ إذ نرى فيها الإله يطفو على سطح الماء في صندوق عند ولادته، أو عند موته، حسب الإله المذكور إن كان «أوزير» أو «حور».















0 تعليق