.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الطبيب والمؤسسات الطبية المصرية رمزا للقوة الناعمة لمصر
سوف أتحدث في هذه المقالة عن نموذج آخر من القوى الناعمة لمصر، وجزء من الهوية المصرية والشخصية المصرية المتميزة والمتفردة، وهو الطبيب المصري، الذي كان له نشاط ملموس ليس فقط داخل مصر، ولكن تعدى هذا النشاط حدود مصر الجغرافية إلى المحيط الإقليمي العربي والإفريقي والآسيوي، بل لا أبالغ إذا قلت إلى المحيط العالمي في أوروبا وأمريكا، والذي تخرج من المؤسسات العلاجية أو المستشفيات أو المعاهد العلمية المصرية الخاصة بالطب وتدريسه، والتي كان لها تاريخ عريق يُشار له بالبنان، ليس على مستوى الإقليم فقط، ولكن على مستوى العالم.
على سبيل المثال لدينا ما يسمى بقصر العيني، وهو أحد قوى مصر الناعمة، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه كان أساسا للنهضة الطبية في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ولعلنا إذا ما أردنا الحديث عن القصر العيني أن نتذكر مستشفى الأزبكية، وهي أول مدرسة للقابلات.
فلدينا البيمارستان الذي بني في عهد أحمد بن طولون في مدينة القطائع، وكان يُخصص لأمراض عديدة، ولعل من أهمها أمراض العيون والأمراض التي تصيب جلد الإنسان، وقام كثير من سلاطين المماليك حكام مصر ببناء العديد من المؤسسات الطبية مثل يشبك بن مهدي.
على أن أبرز هذه المنشآت في العصر المملوكي هو مستشفى قلاوون، الذي كان متخصصًا في طب العيون، ويقال إنه كان به أيضا قسم للأمراض النفسية، وكان هذا البيمارستان من أهم المنشآت التي أنفق عليها السلطان المنصور قلاوون، ولا يزال هذا البيمارستان قائما حتى الآن يزين شارع المعز لدين الله الفاطمي، ويُعتبر من المباني ذات القيمة المعمارية، وأيضا المغزى التاريخي المهم في تاريخ العلوم الطبية.
نعود مرة أخرى إلى عهد محمد علي باشا، فنجد أن أول مؤسسة علاجية مثلت النواة الحقيقية للتعليم الصحي كانت في أواخر عشرينيات القرن التاسع عشر. وتحديدا في عام 1825 اختار محمد علي باشا قصر الكورد في منطقة الأزبكية ليكون مقرا للمستشفى المزمع إنشاؤه، نظرا للموقع الحيوي لهذا المكان، وكان هذا المكان موطنا يسكنه الأمراء والبعثات الأجنبية، وتعتبر محطة ما بين القاهرة الحديثة والقاهرة التراثية القديمة.
وكان هذا القصر في البداية يستخدم مقرا لسكن محمد علي باشا نفسه عندما تولى الحكم، لكنه فضل أن يكون فيما بعد مستشفى، وربما يعود تأسيسه إلى إبراهيم باشا ابن محمد علي، الذي أراد أن يجعل من هذا القصر صرحا إنسانيا يخدم الجيش والجمهور على حد سواء، ويحارب الأوبئة الفتاكة مثل الكوليرا والطاعون، التي كانت تهدد مشروعات الدولة التنموية.
وقد تميز مبنى المستشفى بالجمال المعماري اللافت للنظر، والتصميم الخاص به يعكس التأثر بالطراز المعماري الأوروبي، حيث كان يتألف من جناحين منفصلين تماما لضمان التنظيم الدقيق والتهوية الجيدة والنظافة الصارمة، وكان يمثل طفرة مذهلة مقارنة بعمارة البيمارستانات القديمة الموروثة من العصور الإسلامية الوسطى، وخصص الجناح الأول للرجال المصابين بأمراض مختلفة والذين يعانون أيضا من أمراض عقلية ونفسية، والذين كانوا في السابق يتجمعون بشكل مأساوي في مبنى البيمارستان القديم، بينما خصص الجناح الثاني لخدمة النساء المريضات والمصابات أيضا باضطرابات نفسية وعقلية، ولرعاية الأمومة ودار للأطفال اللقطاء.
لقد كانت مستشفى الأزبكية المحطة الأولى للتعليم الطبي العملي، أو ما يعرف بالطب السريري، قبل انتقال المنظومة بالكامل إلى القصر العيني عام 1837، حيث كان الطلبة يتلقون تدريباتهم تحت إشراف كلوت بك، وبأمر صارم من إبراهيم باشا بأن يتم اختيار الأطباء الملحقين بالمستشفى حصريا من بين السكان المحليين من المصريين الذين تدربوا على فن الشفاء.
وبحلول عام 1838، وبعد عام واحد من الاستقرار في قصر العيني، استكملت المدرسة نجاحاتها، حيث وثق المسيو سكور في تقريره لوزير المعارف الفرنسي عام 1868 نجاح خريجات هذه المدرسة في العمل بالمحافظات المختلفة مجانا، ودورهن الباهر في تطعيم ما يزيد على 6000 أو 7000 شخص في القاهرة وحدها ضد مرض الجدري، مما أدى إلى القضاء نهائيا على عهد الدايات الجاهلات. واستمر عمل هذا المستشفى عملا عظيما وسخيا يفتح أبوابه لكل الناس من طوائف الشعب المختلفة، حيث كان السكان يتلقون الاستشارات والأدوية وعمليات التطعيم مجانا دون مقابل.
وهذه النهضة الطبية التي مثلها قصر العيني لها أصول في التاريخ المصري القديم، وقد ورد إلينا اسم أول طبيب مصري وهو إيمحتب، عبقري الطب في عصره. وإذا تكلمنا عن مجال الطب والجراحة، فإننا نستطيع أن نذكر بمنتهى الشفافية أن المصريين القدماء كان لهم معرفة عميقة جدا بهذا العلم، بل كانوا يصنعون المعجزات، وبدون مبالغة يُعتبر ما تقدم به المصريون من إنتاج علمي في مجال الطب والجراحة أساسا للتقدم والتطور لعلم الطب الحديث.
كما استطاع المصريون أن يطوروا مجالات الطب وعلاج الأمراض في عصورهم، وتغلبوا على كثير من المشكلات الصحية التي كانت تواجه الناس، وثبت أيضًا أنهم استطاعوا في علم الجراحة إجراء العديد من العمليات الجراحية المختلفة، بالإضافة إلى أن معجزة وتقنيات التحنيط تعتبر من أهم الإنجازات الطبية في علم التشريح والوظائف الحيوية للجسم الإنساني.
وتشهد بذلك المعروضات من الأدوات الجراحية التي عُثر عليها، مثل الملاقط والمشارط والإبر والمنشار الجراحي والسلك الجراحي ومفتاح العظام وأدوات أخرى نحاسية وأجزاء من الصواني وأنابيب طبية أيضًا لوضع السوائل المختلفة بها.
وبصفة عامة يمكن القول إن هذه النهضة الطبية الحديثة التي شهدتها المؤسسات الطبية المصرية، سواء في القصر العيني أو مستشفى أبو الريش أو الدمرداش أو مستشفى الجلاء للولادة، أو فيما بعد معهد الأورام، أو المنشآت النوعية الأخرى، أو الصرح العملاق الذي يعرف بمعهد ناصر، كلها مؤسسات طبية مصرية ساهمت إلى حد كبير في النهضة الطبية، ليس على مستوى مصر فقط، بل على مستوى العالم العربي، ولا أبالغ إذا قلت على مستوى العالم.
وتخرج من هذه الصروح الطبية العديد من رواد الطب في العالم مثل مجدي يعقوب، ومعظم الأطباء المصريين الحائزين على أعلى الجوائز في مجالات الطب المختلفة، وخاصة في مكافحة الإيدز ومكافحة السرطان ومكافحة الأمراض والأوبئة المتوطنة، ورواد زراعة الكبد والكلى، كل هؤلاء الأطباء كانوا من أبناء مصر وعنوانا لهويتها وشخصيتها المتفردة. لقد تقلد بعضهم مناصب كبيرة مرموقة في المستشفيات الأوروبية، واستفادت البشرية من اختراعاتهم ومن إبداعاتهم.
إن مصر حينما كانت تبعث بالطبيب المصري إلى أعالي الجبال في اليمن وأدغال إفريقيا وصحاري الجزيرة العربية، كان هذا الطبيب يعمل في هذه المناطق وكأنه يؤدي فريضة أو يؤدي واجبا نحو البشرية ونحو الإنسانية.
كما أن نظرة إلى المستشفيات المصرية مثل قصر العيني أو الدمرداش أو أبو الريش أو غيرها من المؤسسات المتخصصة مثل معهد الأورام أو معهد ناصر، نجد أنها أصبحت قبلة لكل من أراد العلاج من أبناء العالم العربي أو الإفريقي أو الآسيوي، أو حتى في بعض الأحيان من بعض دول أوروبا، إذ كان الطبيب المصري والمؤسسات والمستشفيات المصرية نموذجا هاما جدا من نماذج القوى الناعمة لمصر، وجزءا أيضا مهما من الشخصية المصرية الداعمة للإنسانية عبر العصور والأزمنة.














0 تعليق