خالد دومة يكتب: فيضان أم

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

ففي الطفولة، تلك الصداقة النقية... كان لي صديق، كان لهم بيت واسع نظيف، له إخوة أكبر منه، وآخر أصغر. كان دفء الأمومة يحيط بهم جميعًا؛ كانت أمه تفيض بأمومتها على كل طفل. لا أستطيع أن أتخيل جمال الأمومة وعاطفتها، إلا وهي تملأ ذلك الخيال.

كان بياض قلبها يلمع على جبينها، فيضيء ابتسامتها حين تبتسم لنا ونحن نذاكر واجبنا المدرسي؛ كانت كينبوع نحفل بعطائه. أذكر ذلك الوجه، كأنه انحفر في قلبي قبل ذاكرتي؛ ترسمه عواطفي ومشاعري، وتخطه لحمًا ودمًا.
وكان عطائها فوق كل عطاء، كان لها ابنان ليسا من صلبها، بل من صلب زوجها, توفيت أمهما عند ولادت أصغرهما، لكن الله وهبهم أمًّا أعظم. لم ألحظ إلا بعد سنوات أنها لم تلدهم. وكان لأبنائها الأربعة قلوبٌ أصفى من الندى؛ ورثوا من فيضها فيضًا، ومن قلبها نبتت قلوبهم، وجرى في عروقهم ذلك النقاء ليعطر أنفاسهم وألسنتهم.
لعل جذور الأمومة كانت راسخة فيها حتى قبل أن تُولد؛ فامتد ظلها يستظل به كل طفل مرّ بالقرب منها. كانت أمًّا فنانة، تملك شعورًا دقيقًا، تلهمنا به معاني إنسانية فيما توحيه لنا من خلال معاملتها. حتى في طهي الطعام، كانت أمًّا مثالية؛ تطعمنا قبل الطعام درسًا بليغًا في الحب والدفء.
كنت وصديقي قلّما نفترق أيام التلمذة، وكان هو أيضًا فنانًا يعشق الرسم، ويبدع لوحات رائعة فوق صفحات كراسة الرسم. تعلمت منه الكثير: جمال الخط، وتناسق الألوان، وشيئًا من الرسم، وشيئًا من طهارة القلب حين تبدو في تعامل الآخرين.
كان يسبقني في كل شيء، وكنت أتتبع خطاه؛ لأنني أثق بصدق القلوب، وأعطيها القيادة وأنا مغمض العينين، فهي تسلك بي طرق الهداية. ولأنه ورث من أبويه حظًا عظيمًا من الحنان — بل إنهم جميعًا ورثوا هذا القدر — كنت، في سنوات الطفولة الأولى، أستمد منهم معينًا يعينني على تجاوز اليُتم الذي يفرغ القلب، فيجعله أجوف لا يحمل صاحبه سوى الفراغ.
كنت أشحن قلبي منهم بشيء من الأنس. كانت ساعات قليلة، لكنها ذات أثر ينسيني برودة اليُتم لأيام. ولولا الحياء لطالت تلك الساعات. وما كنت أحصل عليه، كنت أرضى به؛ فهو كثير رغم قصر مدته.
كان ذلك البيت في نظري هو الوحيد الذي يخلو من البرودة، وما عداه كانت البيوت كلها — بالنسبة لي — يكسوها الجليد. فإذا خرجت منه بدفء القلب، تلاشى ذلك الدفء بعد ساعات من شدة برودة الحياة خارجه.
حتى في البيت الذي كنت أعيش فيه عند جدي، كان الجليد يحفّه أيضًا. كنا نبيت في الغرفة في نهاية البيت، نلتحف بصقيعه، وكان البخار الذي يعلو من أنفاسنا لا ينقطع، حتى في أشد أشهر الصيف حرارة. فقد كان البرد يسكن القلب، وينعكس على حياتنا ووجوهنا، وعلى خشونة جلودنا، وبطء خطواتنا، وحركتنا التي يدفعها الخوف والتأهب لمزيد من تراكم الجليد.
ثم صار ذلك الدفء ذكرى تعيش في عقلي؛ إذ حُرمت منه إلى الأبد. وظل الجليد يزحف حتى نسيت الدفء، ومحا من قلبي أثره، فلم يبقَ إلا تلك الذكرى، أتذكرها بين حين وآخر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق