إطعام الكلاب.. لماذا يشعر المجتمع بالخوف من تنظيم «عمل خير»؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

تُعد واقعة “سيدة المعادي”، أو ما عُرفت إعلاميًا بـ“مشاجرة دجلة بالمز”، واحدة من أكثر الوقائع التي جسدت حالة الانقسام الحاد داخل المجتمع المصري بشأن أزمة الكلاب الضالة، بعدما تحوّل أحد شوارع حي دجلة الهادئ إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين فريقين، الأول يرى أن انتشار الكلاب في الشوارع أصبح تهديدًا حقيقيًا لحياة المواطنين وأمنهم، والثاني يعتبر أن تلك الحيوانات كائنات ضعيفة تستحق الحماية والرعاية لا المطاردة أو الأذى.

وبدأت تفاصيل الواقعة عندما تداول سكان المنطقة مقاطع مصورة التقطتها كاميرات المراقبة، أظهرت إحدى السيدات وهي تضع مواد سامة فوق السيارات وبالقرب من أماكن تجمع الكلاب الضالة، مبررة تصرفها بحالة الخوف والضرر التي تعيشها أسرتها بسبب النباح المستمر، وتجمع الكلاب أسفل العقارات، إضافة إلى حالة الذعر التي تصيب الأطفال عند المرور في الشارع.

وفي المقابل، تدخلت إحدى السيدات المعروفات بإطعام الكلاب والدفاع عنها، معترضة على ما وصفته بمحاولة إيذاء حيوانات لا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها، لتتحول الواقعة سريعًا من مشادة كلامية إلى أزمة تصاعدت إلى ساحات القضاء، وسط حالة من الجدل الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر ما حدث “صرخة خوف” من مواطنين يشعرون بانعدام الأمان، ومن رأى فيه “قسوة غير مبررة” تجاه كائنات جائعة ومهملة.

ولم تكن الواقعة مجرد خلاف بين جيران، بل أعادت فتح ملف شائك ظل حاضرًا لسنوات دون حلول حاسمة، يتعلق بعشوائية إطعام الكلاب الضالة، وغياب آليات واضحة للتعامل مع الأزمة بشكل يحقق التوازن بين الرفق بالحيوان والحفاظ على سلامة المواطنين.

ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن تقديم الطعام للكلاب يعكس قيم الرحمة والإنسانية، يؤكد آخرون أن الإطعام غير المنظم يؤدي إلى تمركز الكلاب داخل المناطق السكنية وزيادة أعدادها بشكل يثير الذعر، خاصة مع تكرار حوادث العقر وانتشار المخاوف المرتبطة بمرض السعار.

ومن هنا، تحولت أزمة الكلاب الضالة إلى واحدة من القضايا المجتمعية التي تكشف صدامًا حقيقيًا بين “حق الإنسان في الأمان” و“حق الحيوان في الحياة”، في ظل غياب حلول جذرية قادرة على احتواء الأزمة من جميع جوانبها.

وفي شوارع كثيرة داخل المدن المصرية لم تعد قضية الكلاب الضالة مجرد مشهد معتاد يراه المواطن يوميًا، بل تحولت إلى أزمة مجتمعية حقيقية تثير انقسامًا واسعًا بين المواطنين، خاصة مع تزايد وقائع العقر والخوف من انتشار الأمراض، وفي مقدمتها داء السعار.

 وبينما يتمسك البعض بحق تلك الحيوانات في الطعام والحياة، يرى آخرون أن الإطعام العشوائي أصبح سببًا مباشرًا في زيادة أعداد الكلاب وتمركزها داخل المناطق السكنية، ما يهدد سلامة السكان ويخلق حالة من الرعب لدى كثيرين.

وبات من اللافت في عدد من الأحياء أن مجموعات من الكلاب تتجمع بشكل دائم حول أماكن بعينها اعتاد بعض الأهالي تقديم الطعام فيها يوميًا، الأمر الذي أدى إلى بقاء تلك الكلاب واستقرارها داخل الشوارع بدلًا من تحركها أو اختفائها تدريجيًا، وهو ما يثير غضب قطاع من السكان الذين يؤكدون أن المسألة لم تعد مجرد “رحمة بالحيوان”، بل أصبحت مرتبطة بالأمن المجتمعي وحق المواطنين في السير بأمان.

الخوف من الكلاب الضالة.. “الأمان حق للمواطنين أيضًا”

 

وتقول م.ن إحدى المواطنات، التي تعاني من خوف شديد تجاه الكلاب، إنها لا تعارض مبدأ الرحمة بالحيوان أو إطعامه، لكنها ترفض أن يتم ذلك بشكل عشوائي داخل المناطق السكنية، موضحة أن انتشار الكلاب بشكل كثيف يجعل كثيرًا من الناس غير قادرين على التحرك بحرية، خاصة الأطفال والسيدات وكبار السن.

وأضافت: “أنا بخاف جدًا من الكلاب، ومجرد إني أنزل الشارع وألاقي مجموعة كبيرة قاعدة تحت البيت أو في مدخل شارع بيخليني متوترة جدًا، وفي ناس كتير اتعرضت للعقر فعلًا، والخوف هنا مش رفاهية ولا مبالغة، ده حق طبيعي لأي إنسان”.

وأكدت أن بعض الأشخاص يتعاملون مع القضية من زاوية عاطفية فقط، دون التفكير في تأثير ذلك على الآخرين، مشيرة إلى أن وجود الطعام باستمرار يشجع الكلاب على البقاء والتكاثر والتجمع في نفس الأماكن، وهو ما يزيد من احتمالات الهجوم أو المطاردة، خاصة في أوقات الليل.

وترى أن الحل لا يجب أن يكون قائمًا على القتل أو التعذيب، لكنها تؤيد إنشاء شلاتر أو أماكن إيواء مخصصة يتم فيها جمع الكلاب الضالة وتقديم الرعاية الصحية والطعام لها بعيدًا عن الشوارع والمناطق المزدحمة بالسكان.

مدافعو الإطعام: الرحمة بالحيوان لا تتعارض مع تنظيم الشارع

في المقابل، تتمسك مدام ي.م، وهي من المهتمات بإطعام الكلاب الضالة، برؤية مختلفة تمامًا، إذ تعتبر أن تلك الحيوانات ضحية للإهمال المجتمعي، وأن تجويعها أو مطاردتها لن يحل المشكلة، بل قد يزيدها عدوانية.

وقالت إن كثيرًا من الكلاب تصبح أكثر هدوءًا عندما تجد من يطعمها ويعاملها بشكل جيد، مؤكدة أن الرحمة بالحيوان “مقياس لتحضر المجتمع”، مضيفة: “الكلاب دي روح، وبتجوع وبتتعب زينا، ومش معنى إن في ناس بتخاف منها إننا نمنع عنها الأكل أو نسيبها تموت”.

وترى أن المشكلة الحقيقية ليست في الإطعام نفسه، وإنما في غياب تنظيم واضح من الجهات المختصة، مشيرة إلى أن الحل قد يكون في تخصيص نقاط محددة للإطعام بعيدًا عن المدارس والمناطق السكنية المزدحمة، مع تنفيذ حملات تطعيم وتعقيم للحيوانات للحد من التكاثر.

وأضافت أن بعض المواطنين يتعاملون بعنف مع الكلاب، سواء بالضرب أو المطاردة أو إلقاء مواد مؤذية، وهو ما يجعل بعض الحيوانات أكثر توترًا وعدوانية تجاه البشر، مؤكدة أن الابتعاد عن الكلاب وعدم استفزازها يقلل بدرجة كبيرة من فرص الهجوم أو العقر.

طبيب بيطري يحذر: العاطفة وحدها لا تكفي.. والصحة العامة أولوية

ومن الناحية الطبية، حذر الدكتور عبد الجليل عبد المقصود  “للدستور” من خطورة ترك أزمة الكلاب الضالة دون إدارة علمية واضحة، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بانتقال الأمراض الفيروسية وعلى رأسها السعار.

وأوضح أن بعض الحلول المطروحة، مثل استئصال أرحام إناث الكلاب لمنع التكاثر، تبدو صعبة التطبيق على أرض الواقع بسبب تكلفتها المرتفعة واحتياجها لعدد ضخم من الأطباء البيطريين والإمكانات الفنية، مشيرًا إلى أن تلك الحلول قد تستهلك مليارات الجنيهات دون ضمان القضاء على المشكلة بشكل كامل.

وأكد أن السيطرة على الظاهرة تحتاج إلى خطة متكاملة تشمل الرصد والجمع والتطعيم والتنظيم، وليس الاكتفاء بحلول جزئية أو مؤقتة، لافتًا إلى أن منع تكاثر مجموعة من الكلاب في منطقة معينة لن يمنع ظهور مجموعات جديدة إذا ظلت البيئة المحيطة تسمح بانتشارها.

كما انتقد بعض الخطابات التي تعتمد فقط على العاطفة دون النظر إلى الأبعاد الصحية والأمنية، مشددًا على أن الحفاظ على حياة الإنسان يجب أن يكون أولوية أساسية، خاصة مع وجود حالات عقر متكررة وصعوبة اكتشاف الحيوانات المصابة بالسعار في بعض الأحيان.

وأشار إلى أن الدولة كانت تتعامل في فترات سابقة مع الظاهرة بوسائل مختلفة للسيطرة على أعداد الكلاب الضالة، إلا أن الملف أصبح أكثر تعقيدًا حاليًا مع التوسع العمراني وزيادة الكثافة السكانية، إلى جانب تنامي الجدل الحقوقي المرتبط بالرفق بالحيوان.

ويرى متابعون أن الأزمة تكشف عن غياب ثقافة “تنظيم الخير”، حيث يتحول الفعل الإنساني أحيانًا إلى مصدر أزمة بسبب غياب التخطيط، فبين من يطعم بدافع الرحمة ومن يخاف بدافع الأمان، تبقى الحاجة ملحة إلى حلول وسط تحقق التوازن بين حماية الإنسان والحفاظ على حق الحيوان في الحياة والرعاية، دون أن يتحول الشارع إلى ساحة خوف أو صراع يومي بين الطرفين.

أخبار ذات صلة

0 تعليق