.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
قد تعكر الغيرة صفو المحبين، فتحوّل الحياة إلى نارٍ لا تُخمد، تلتهم كل جميل ونبيل، حتى تغدو وحشًا يحطم النفوس البريئة، ويلقي بها في قاعٍ أشعلته غيرةٌ عمياء, ذلك الحشد الهائل من الشكوك، يلتهم الروح ويمزقها، يثقل القلب حتى تكاد الجبال تعجز عن حمله. حيرةٌ تنهش الضلوع، ونزيفٌ لا يتوقف. كيف تُحتمل حياة بهذا الثقل؟ إنها دوائر متشابكة تخنق صاحبها، تجعله يتمنى الخلاص، لا يدري إلى أين يمضي.
إن الفهم الصحيح لجذور المشكلات هو السبيل إلى الحل، وهو المخرج من بوتقة القلق وبراثن الشك. غير أن الإنسان قد يهرب من مواجهة هذه الجذور لأنها مؤلمة، فيكون هروبه سببًا في تعطيل الشفاء، وإطالة أمد المشكلة، واتساع هوة القلق والشك، وربما فتح الباب لأمراضٍ أخرى لم تكن في الحسبان.
ما كانت سارة إلا مثالًا حيًّا للأنوثة؛ امرأةً تستغرقها الأنوثة وتفيض منها كما يقول العقاد، حتى ليُخيَّل للمرء أنّها لو وُزِّعت على آلاف النساء لكانت في كل واحدة منهن خميرة أنثى, هي أنثى ونصف أنثى، تطغى أنوثتها على كل عصب من أعصابها المتحفزة, وليس كثيرٌ من النساء من تبلغ بهن الأنوثة هذا الحد، فتعيها وتُحسن استخدامها، ثم تُديرها بمهارة بين يديها، توظفها لجذب الرجل وإغوائه. تعرف ما يحب وما يكره، فتُقطر له من هذا، وتُنحّي ذاك جانبًا، ولا تعطي إلا بمقدار؛ فلا تُسرف في العطاء، ولا تُمعن في المنع، وإنما تعطي وقت الحاجة، وتمنع وقت الحاجة.
عاش عباس محمود العقاد في رحاب هذه المرأة الشديدة الأنوثة سنواتٍ قليلة، يعتلي جياد السعادة، حاملاً حبَّه إلى ذروة الهناءة والمتعة. غير أن ذلك لم يدم طويلًا، حتى هُدم ذلك الهيكل المقدّس، وشعر أنها لا تعتصم في غيابه، ولا تجعل للحب حرمة، ولا للوفاء منعة.
حين يفهم الرجل كوامن المرأة، ويعرفها معرفة الخبير الذي يراها كما هي في مخدعها، بل يراها كما لم ترَ نفسها قط، يعلم منها ما يدور في خاطرها، ولعله يعلم عنها ما تجهله هي عن نفسها, فهي تتصرف بعفوية وتلقائية، غير أن دوافع كامنة تدفعها إلى أفعالها من حيث لا تشعر، فلا تُعير لذلك اهتمامًا، وربما لم تعِه أصلًا,
فمظهرها الخارجي، لون الزي التي ترتديه, نوع العطر, طريقة حديثها، والتفاتتها، وهيئتها، ليست عند العقاد أمورًا عابرة، بل مؤشرات إلى تصرفات ودوافع نفسية أعمق, هي قد لا تعلم لماذا تفعل ما تفعل، لكنها تشعر فقط أنه ينبغي أن تفعله، دون أن تلتفت إلى ما يدور في باطنها من صراعات ومحاورات خفية.
وحين يحب رجل كالعقاد امرأة، وهو من هو في فهم النفوس، ممن تكفيه نظرة أو جلسة قصيرة, أو حوار عابر, ليُعطي حكمًا يكاد لا يخطئ عن الشخصية، فما بالك بمن تحدث إاليها مئات المرات، وجالسها عامين أو يزيد، وأفضى إليها وأفضت إليه؟ لا شك أن معرفته بها تصبح كالكتاب الذي قراءه وأعاد قرأته مرات، وأن شعوره نحوها يكون أصدق وأشد يقينًا, فهل كان العقاد يغالط نفسه في شكّه، وهو على يقين؟ أم أن للحب أحكامًا أخرى، وأن الكبرياء عند رجل مثله يأبى عليه أن يُخدع؟
لعل شكَّه لم يكن إلا يقينًا ناقصًا، يحتاج إلى يقينٍ أشدّ؛ دليلٍ ظاهر لا ليُقنع به نفسه، بل ليواجه به منكريه, وهي — حبيبته — ربما كانت تستمتع بذلك الشك، وتتلذذ بخداع رجلٍ بمكانته وعقله، فتشعر في قرارة نفسها بشيء من الظفر والتفوق؛ إذ ترى نفسها أقوى، وترى عجزه عن كشف حيلها انتصارًا لأنوثتها عليه, ومع ذلك، فهي لا تمنحه راحةً كاملة، ولا تدعه يستريح؛ تبقيه دائم القلق، دائم التوجس، أسيرًا بين الحب والكبرياء.
فالشك قاتلٌ يتسلل ببطء، لكن يمكن القضاء، إن كانت الحقيقة حاضرة، والعقل صامدًا، والإرادة قادرة على فرض قوتها، لتبقى النفس سليمة معافاة من أمراضٍ هي في أصلها وهمٌ وضلال، تقلب نعيم الحياة إلى جحيم.


















0 تعليق