قال الكاتب الصحفي سيد محمود، إن السؤال الجوهري الذى يجب طرحه اليوم هو ما إذا كنا نعيش بالفعل لحظة تحول في الوسائط؟، مؤكدًا أننا، في ظل التحديات التي فرضها الوسيط التكنولوجي الجديد، نواجه حالة واضحة من التداخل والتعقيد في المشهد الإعلامي والثقافي.
الوسيط الرقمي عامل ضغط وتحد أمام القارئ
وأوضح أن الصحافة العربية كانت، في مراحل سابقة، لاعبا رئيسيا في تشكيل خطاب وطني جامع، حيث كانت مؤسسات كبرى قادرة على خلق صدى واسع وموحد لما تنشره، أما اليوم، ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تراجع هذا التأثير الجامع، لتحل محله حالة من التباين الحاد، بل إن مفهوم الإتاحة الذي كان يفترض أن يعزز الانفتاح، بات يستخدم أحيانًا في إنتاج خطاب متحيز أو متطرف، ما جعل الوسيط الرقمي نفسه عامل ضغط وتحد أمام القارئ.
وأضاف سيد محمود، خلال ندوة "تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي" ضمن فعاليات الندوة الافتتاحية "الرباط عاصمة الإعلام العربي" بمعرض الرباط للنشر والكتاب، أن الصحافة، تاريخيا، لعبت دورا محوريا في حمل القضايا القومية والوطنية، خاصة منذ مشروعات النهضة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين مستحضرا في هذا السياق أطروحات بنديكت أندرسون في كتابه الجماعات المتخيلة، والتي تؤكد قدرة الصحافة على خلق "مجال حيوي مشترك" بين الأفراد.
وأشار إلى أن الصحافة آنذاك تبنت قضايا كبرى مثل الاستقلال، وتحرير المرأة، والعدالة الاجتماعية، كما شكلت فضاء حيويا أسهم في تطور الأدب ذاته، إذ استفادت منها الأشكال الأدبية الجديدة مثل الرواية والقصة، خاصة مع انتشار الأدب المترجم، فقبل ظهور الصحافة، كانت الأشكال السائدة تقتصر على الخطابة والمقامة والشعر العمودي، لكن مع هذا الوسيط الجديد، شهد الأدب تحولات جذرية في بنيته وأشكاله.
العلاقة بين الصحافة والأدب تاريخية
وأكد أن العلاقة بين الصحافة والأدب ليست طارئة، بل هي علاقة تاريخية ممتدة منذ نشأة الصحافة العربية، غير أن هذا التلاقي بات اليوم يواجه أسئلة مختلفة في ظل التحولات الرقمية.
وحول ما وصفه بديمقراطية الوسائط، أشار،سيد محمود إلى أنها منحت الجميع حق النشر، لكنها في الوقت ذاته ألغت الحدود الفاصلة بين النخبوي والشعبي، وأضعفت فكرة المرجعية، ففي الماضي، كان محرر المجلة الأدبية أو رئيس التحرير يمثل سلطة نقدية ومعيارا للجودة، بينما أصبح الفضاء الرقمي اليوم مفتوحا بلا ضوابط واضحة، حيث ينشر الجميع دون المرور بعمليات تقييم أو تحرير.
وخلال حديثه استعاد تجربة شخصية من بداياته، حين كان يذهب مع زملائه إلى مجلة إبداع، التي كان يرأس تحريرها عبد القادر القط، مشيرًا إلى أن الأخير كان يتعامل مع نصوصهم بروح منفتحة، حتى وإن لم يفهمها بالكامل، لكنه كان يمتلك معيارا نقديا واضحا يوجه النشر، لافتا إلى أنه الأن تغيب هذه المعايير، ويصعب توجيه النقد في فضاء مفتوح يعتبر فيه الجميع أنفسهم كتابا.
وأشار إلى أن هذا الواقع يفرض ضرورة التفكير الجاد في كيفية التعامل مع هذه الفوضى النسبية، خاصة في ظل حساسية النقد، إذ قد يتحول إلى مصدر هجوم في بيئة رقمية لا تعترف بسهولة بالسلطات النقدية التقليدية.
وحول ما يعرف بالرواية التفاعلية داخل المشهد الأدبي الفعلي، تساءل عن وجود قارئ حقيقي لها، معتبرا أن كثيرا من الطروحات التي صاحبت ظهور الإنترنت مثل تهديده للكتاب الورقي لم تتحقق، بل على العكس، يرى أن الوسيط الرقمي أسهم، بدرجة كبيرة، في دعم الكتاب الورقي وتعزيز حضوره، بدلا من إلغائه.














0 تعليق