تمرّ على الناس في حياتهم اليومية حوادث ومواقف لا تُحصى، لكن أثرها لا يكون واحدًا في نفوسهم, فالحدث الواحد قد يُستقبل بالقبول عند إنسان، وبالرفض عند آخر، وبين هذين الطرفين تمتد درجات لا نهائية من التفاعل الإنساني.
القبول ذاته ليس نوعًا واحدًا؛ فقد يكون قبولًا عقلانيًا يقوم على منطقٍ وحجة، وقد يكون قبولًا هادئًا تمليه طبيعة النفس، أو حتى قبولًا خاضعًا للهوى لا يسنده دليل.
وكذلك الرفض، تتعدد صوره بين رفضٍ لين، وسخرية، وحدّة تصل أحيانًا إلى العنف, لهذا، لا يمكن أن نتحدث عن مقياس واحد يحكم به الناس على الأشياء,
فما يراه شخص مقبولًا لأسباب يراها واضحة، قد يرفضه آخر للأسباب ذاتها، أو لأسباب مختلفة تمامًا, إنها ليست فوضى في الأحكام، بل انعكاس لاتساع التجربة الإنسانية.
إن النظر إلى الشيء الواحد من زوايا مختلفة قد يؤدي إلى اختلافات واسعة في الرأي، حتى إنك قد تستغرب التباين حول فكرة واحدة. فالشيء ذاته قد يبدو لعيون مختلفة كأنه أشياء متعددة. جرّب أن تعرض أمرًا واحدًا على مجموعة من الأصدقاء، فلن تجد تطابقًا في الرأي، حتى لو تقاربت القناعات. فالدوافع والخلفيات النفسية والمعرفية تجعل كل رؤية مختلفة عن الأخرى، رغم وحدة الموضوع.
فالإنسان لا يُكوِّن رأيه في فراغ، بل من خلال تراكم معقّد من التجارب، والميول، والبيئة، والتربية، وحتى اللحظة النفسية التي يعيشها, ومن هنا، يصبح الاختلاف في ردود الأفعال أمرًا طبيعيًا، بل ضروريًا, قد يستثير حدثٌ ما رد فعل عنيفًا لدى شخص، بينما يمرّ به آخر مرورًا هادئًا, وليس ذلك لأن أحدهما على صواب مطلق والآخر على خطأ، بل لأن لكلٍ منهما عالمه الداخلي المختلف, فلا يكاد اثنان يتفقان تمامًا، حتى يظهر اختلاف جديد داخل الاتفاق ذاته، وتتفرع الآراء وتتشعب حتى تبتعد بنا عن نقطة البداية دون أن نشعر.
إن النفوس البشرية ليست قوالب متشابهة تُسكب فيها الآراء لتخرج بصورة واحدة، بل هي عوالم متعددة، لكل منها تكوينها الخاص, وهذا التعدد ليس ضعفًا، بل سرّ قوة الحياة ومرونتها, فالأفكار — مهما تشابهت في أصلها — لا تظل ثابتة، بل تتفرع وتتكاثر، وتُعاد صياغتها باستمرار, فالفكرة اليوم قد تصبح عشرة غدًا، ومئات بعد زمن، تتغير بتغير الظروف، وتكتسب معاني جديدة مع كل تجربة إنسانية.
وهكذا تبقى الحياة في حالة تجدد دائم، لا تعرف الجمود، ولا تقبل أن تُختزل في قالب واحد أو رأي نهائي, إنها تتسع للجميع، وتمنح كل إنسان حقه في أن يرى بطريقته، ويفهم بحسب قدرته.
وهنا تظهر الحياة في صورتها الكبرى: مليئة بالتناقضات، تكشف لنا الحكمة في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، لمن يحسن النظر ويتأمل، لا لمن غلبته الدهشة أو صرفته الغفلة.
ولعل هذا هو جوهر الحكمة: أن ندرك أن اختلاف الناس ليس عيبًا ينبغي محوه، بل طبيعة ينبغي فهمها, فحين نُدرك ذلك، نتعلم أن نختلف دون أن نتصادم، وأن نرفض دون أن نُقصي، وأن نقبل دون أن نذوب, لأن الحياة — في حقيقتها — ليست رأيًا واحدًا، بل تعدد لا ينتهي من الرؤى, وذلك هو ما يمنحها معناها.
خالد دومة يكتب: درسٌ في التربية (3).. الاختلاف
خالد دومة يكتب: درسٌ في التربية (3).. الاختلاف
















0 تعليق