خالد دومة يكتب: عازف القيثارة العجوز.. بابلو بيكاسو

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إن اللحن الجميل إنما هو أنغام علوية صاعدة من النفوس إلى السماء، تستشرف العالم  المحيط، لتلقي عليه بفنونها وأوتارها، وتبعث فيه حياة وروحا، ولولا تلك الأنغام، لأقفرت النفوس، وتجمدت المشاعر، فكيف لها أن تُعد من الأحياء، فكيف للأذان أن تظل تستمع للكلمات، ولا يطرقها صوت لحن أو وتر، إن منابعها إذن تجف وتموت، إن الكون كله أنغام حين تتآلف، تصنع لنا من الجمود حركة، ومن السكون رقصات تفيض بها روح الكائنات، لتثير زوابع، وتتالق وتتجمل، لتلقي في الروع عشقا نوراني، إن الوجود لحن عظيم متقن، تتراقص على أنغامه الموجوات، لحن أبدي خُلق، قبل أن توجد الكلمات.

في زواية ما من زوايا الأرض، حيث يعلو الضجيج وتبهت المشاعر، قد يمرّ بنا صوتٌ خافت يعيد ترتيب ما بعثرته الحياة في داخلنا. ليس صوتًا عاديًا، بل نغمة تخرج من عودٍ يحتضنه عازف، كأنما يحتضن قلبه نفسه، ليست أصابع العازف هي التي تضرب الأوتار فحسب، بل روحه قبل ذلك. فالموسيقى الحقيقية لا تُصنع بالمهارة وحدها، بل تُولد من عمق التجربة الإنسانية، من الحزن الذي لم يُقَل، ومن الفرح الذي لم يكتمل. لذلك، تتشابه الأوتار وتختلف الألحان، لأن الذي يصنع الفارق هو القلب الذي يعزف.
لوحة عازف القيثارة العجوز ليست مجرد عرض فني؛ إنها لحظة إنسانية مكتملة. حين ينحني العازف على آلته، يبدو كمن ينصت لشيء في داخله، لا كمن يقدّم أداءً للآخرين. وما إن تبدأ النغمات، حتى يتحوّل المكان: يسكن الضجيج، وتخفّ وطأة الواقع، ويجد المستمع نفسه أمام مرآة خفية تعكس ما بداخله.
إن سرّ تأثير الموسيقى لا يكمن في جمالها الظاهري فحسب، بل في قدرتها على قول ما تعجز عنه اللغة. فكم من مشاعر تبقى حبيسة الكلمات، لا تجد طريقها إلى التعبير، حتى تأتي نغمة واحدة فتفتح لها الأبواب. عندها، لا يعود السامع متلقيًا، بل شريكًا في التجربة، يعيش اللحن كما لو كان جزءًا من حكايته الشخصية، الموسيقى، بهذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية. إنها وسيلة لإعادة الاتصال بالذات، واستعادة الإحساس بالحياة في عالم يتجه يومًا بعد يوم نحو القسوة والسرعة. فحين نفقد القدرة على الشعور، نفقد جزءًا أصيلًا من إنسانيتنا، وهنا يأتي دور الفن ليعيد إلينا ما كدنا نفقده.
ولعل عازف القيثارة، على بساطة مشهده، يجسد هذه الحقيقة بعمق. فهو لا يقدّم لحنًا فحسب، بل يقدّم جزءًا من روحه. وكل نغمة تخرج من عوده، هي رسالة غير مكتوبة، تطمس المسافات بين القلوب، دون حاجة إلى ترجمة، أنها اللغة الوحيدة التي لا تكذب، أنها تلامس فينا ما هو أصدق من الكلمات، أو لأننا في أعماقنا لسنا سوى ألحان مبهمة، تبحث عمّن يسطّرها فوق الأوتار أنغام تضيء النفوس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق