خالد دومة يكتب: الكوميديا الدامية

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يبدو، المشهد السياسي العالمي، في كثير من مظاهره، أقرب إلى مسرحية عبثية تتداخل فيها المأساة مع السخرية، حتى يغدو الضحك نفسه فعلاً حزينًا. إنها  "كوميديا سوداء" بحق، حيث تتخذ القرارات المصيرية في أجواء مشحونة بالتوتر والانفعال، لا بالحكمة والتعقل، على أيد مرتزقة الحروب.

ليست المشكلة في قوة الدول أو صراع المصالح، فذلك من طبيعة  السياسة منذ نشأتها، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في الطريقة التي تُدار بها هذه القوة، حين تتحول القيادة إلى سلوك متقلب، تحكمه نزعة الطمع والجشع إلى التصعيد، وتغذيه لغة التهديد والوعيد أكثرمما يضبطه منطق المسؤولية تجاه حياة الناس وأمنهم، لقد أصبح العالم، في ظل هذا النمط من الخطاب، وكأنه يقف على فوهة بركان؛ يكاد ينجر في أي لحظة، توتر دائم، وتصريحات متناقضة، من عقول مظلمة، ومواقف تتغير بين لحظة وأخرى، بما يربك الجميع الحلفاء قبل الخصوم، ويجعل الاستقرار أمرًا هشًا، لا يقوم على أساس راسخ، بل يتأرجح بين لحظة وأخرى ويميل في كفته إلى الانهيار، وما يزيد المشهد عبثية، أن ردود الفعل  الدولية، تبدو في كثير من الأحيان محدودة التأثير، تكتفي بالشجب والإدانة، والتلويح لا التصريح، دون القدرة على إحداث توازن حقيقي أو اتخاذ قرار صارم، يكبح جماح التصعيد. فيتحول المسرح العالمي إلى فضاء مفتوح لعرض القوة، واستظهار فرد العضلات، بينما تتراجع قيم الحوار والتفاهم.

إن أخطر ما في هذا الوضع المهين، الذي لا يليق بأدمية الإنسان، ليس فقط ما يُقال أو يُفعل، بل ما يترتب عليه من ترسيخ لحالة القلق والاضطراب، وكأن العالم قد اعتاد العيش تحت ضغط دائم، يترقب الانفجار، مهدد الأمن والاستقرار، ويجعل المستقبل رهين قرارات عشوائية، أو فردية لدولة تريد أن تتحكم في مصير العالم، غير محسوبة العواقب.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يمكن للعالم أن يستمر غارق في هذا المسار المحسوم العواقب؟ وهل يكفي الاكتفاء بالمراقبة والاعتراض، أم أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار إلى الفكر السياسي، وإلى قواعد القيم التي ترسم العلاقات بين الدول على خطى صحيحة؟

إن تاريخ الحروب الدامي، يعلمنا أن اختلال التوازن عواقبه وخيمة، على الإنسان، في كل زمن من الأزمان، وأن الإفراط في استخدام القوة، دون حكمة في اتخاذ القرارات المصيرية، يقود في النهاية إلى نتائج عكسية. ولذلك، فإن استعادة الاتزان في الخطاب والممارسة السياسية، ليست ترفًا أو اختيارا، بل ضرورة، لحماية ما تبقى من استقرار هذا العالم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق