تعود علاقتى بالدكتور محمد على سلامة منذ كنت طالبا فى كلية الآداب بجامعة حلوان، وكان يدرس لنا مجموعة من المواد، فمرة درس "النقد الأدبى القديم"، ومرة "التفسير"، ومرة "النقد الحديث"، افتتنت بطريقة شرحه لنا، فكان من عادته فتح باب المناقشة مع طلابه، فلم يعتمد قط على التلقين كوسيلة للتدريس، وكثيرا ما كنت أطرح عليه أسئلة خارج المقرر، فيخرج عن الإطار المحدد للمحاضرة، ويشرح باستفاضة، ويبين لى ولغيرى أننى أتبنى وجهة نظر ليست صحيحة، الأمر الذى كان يغضب الزملاء، فيأمروننى بعدم الحديث معه مرة أخرى لاستكمال المحاضرة، كان يريد أن يبنى جيلا من النقاد، يعتمد على البحث والنظر وإعمال الفكر.
لقد حبَّب إلىَّ علم الكلام، ومدارسه، وأحببت أكثر مدرسة المعتزلة وأصولها الخمسة، وأحببت الجاحظ المتكلم ورسائله، والقاضى عبد الجبار صاحب كتاب شرح الأصول الخمسة، وجار الله الزمخشرى صاحب الكشاف، كما أحببت المدرسة الأشعرية، وصاحبها أبا الحسن الأشعرى، والقاضى أبا بكر الباقلانى، كما أحببت الأئمة الأربعة، والقائمة تطول لو عددتها، فكل هذا الحب كان مصدره أستاذى الدكتور محمد الذى يفتح الباب للباحث ولا يتركه وحيدا غريقا بين المصادر والمراجع، ولا يتركه إلا بعد أن يتسلح بأدواته.
عرف صديق لى من بلبيس أننى أدرس فى جامعة حلوان، فأخبرنى أن والده يعرف أستاذا يدرس بها، فقلت: من؟ قال: الدكتور محمد على سلامة، قلت وعلامات السرور ترتسم على وجهى: نعم إنه يدرس لى، ويعرفنى جيدا. فقال صديقى: إنه من قرية "حفنا"، قلت: إذن هو قريب جدا منى، فأنا من قرية "ميت حمل"، والمسافة بيننا ليست بعيدة.
ذات يوم كنت مع صديقى هذا، وعرض علىَّ الذهاب معه إلى "حفنا"، فوافقت على الفور، وذهبت إلى "حفنا"، ليس بغرض الفسحة لكن للسؤال عن الدكتور محمد، ومعرفة رأى الناس فيه، فرأيت هناك حبا جارفا له من كل سمعوا باسمه، كان الجميع يذكره بكل خير، فازداد حبى وتعلقى به إلى أقصى درجة، وكنت أفتخر أننى تعلمت على يديه، وأنه كان يعرفنى.
فى الجامعة كان كريما معى ومع غيرى، فلم يأخذ منى ثمن الكتاب الجامعى، وكان يسألنى، كعادته معى:
- واد ياحسين؟
- نعم يا دكتور محمد.
- أنت دفعت تمن الكتاب؟
- لأ يا دكتور.
- أوعى تكون دفعت أحسن هزعل منك.
- ربنا يخليك يا دكتور محمد.
أذكر أن زميلا لى من مشتول السوق، كان يمر بضائقة مالية، أو أسرته بالأحرى، فطلب منى أن أتوسط له عند الدكتور محمد ليعفيه من ثمن الكتاب الذى كان زهيدا بالمرة، فقلت له: حاضر، سأتحدث إليه، رغم تبرمى من الحديث فى مثل هذه الأمور. بعد انتهاء المحاضرة، طلبت من الدكتور محمد أن أتحدث إليه منفردا، وقال:
- خير يا حسين؟
- أبدا يا دكتور، فيه زميل معنا بالدفعة وظروفه لا تسمح له بشراء الكتاب.
نادى الدكتور على زميل آخر يتولى أمر توزيع الكتاب، وقال له: أعط حسين نسخة من الكتاب، عندى أنا.
بدورى ناديت على زميلى المحتاج، وقلت له: الدكتور محمد خصص لك هذه النسخة، وذهبنا بعد ذلك إلى الدكتور لشكره على صنيع معروفه.
تخرجنا فى الجامعة، وتتلقانا الحياة، أو تعصف بنا، وتطوح بنا ذات اليمين وذات اليسار، ونحن نتفرج عليها، فكان الدكتور محمد كالشجرة الراسخة فى الأرض نتشبث بها حتى لا تجرفنا الرياح والزوابع، فقد أعطانى رقم هاتفه، وقال لى: إن احتجت إلى أى شىء، اتصل بى على طول، لا تتردد فى ذلك، وقلت له: إن شاء الله يا دكتور.

الأستاذ الدكتور محمد علي سلامة
أخذت أستشيره فى كل خطوة أخطوها، وهو يسدى إلىَّ النصح عن طيب خاطر، ويحذرنى من عملٍ يبعدنى عن القراءة والمطالعة، وفرح كثيرا جدا عندما أصبحت عضوا بنقابة الصحفيين، وفرح كذلك عند دخولى مؤسسة الأهرام، ويوصى بى خيرا ممن يعرفهم بالأهرام، وخاصة الصديق أسامة الرحيمى الذى كان يقدره تقديرا كبيرا، وكم تمنى أن أعمل بالقسم الثقافى الذى كان من ضمن أمنياتى.
كان الدكتور محمد مرجعا لى فى كل شىء، وأعود إليه عندما يلتبس علىَّ الأمر، حتى فى شراء الكتب أرجع إليه، فمثلا اشتريت كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ من دار نشرٍ ما، وإذا بى أجد بها أخطاء فى التشكيل وغيره، فاتصلت به منتصف العاشرة صباحا وهو يلقى محاضرته على الطلاب، لأنفث عن غضبى، وردَّ علىَّ، وتحدثنا لأكثر من عشر دقائق وقد ترك المحاضرة، وقلت: فلنواصل بعد انتهاء المحاضرة يا دكتور محمد.
أقول كان المرجع لى فى كل شىء، والله لا أبالغ فى هذا القول، كنت أتحدث معه فى مسألة نحوية، ومن ذلك مثلا، أننى أظهرت له أننى لا أحب الإمام الكسائى؛ لأنه كان سببا فى رحيل سيبويه عن البصرة، ومات كمدا بعد هزيمته فى المسألة الشهيرة التى جمعت بينهما، فأجد الدكتور محمد يفيض فى الرد، ويدافع عن الكسائى. وأعود إليه فى إعراب بعض الكلمات، والله لقد كان بارعا فى النحو براعته فى النقد والتفسير والحديث والأدب.. قرأت ذات مرة فقرة صغيرة من رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل"، دون أن أخبره باسم الرواية، فإذا به يخبرنى باسم الرواية وأخذ وقتا طويلا فى الشرح والنقد، وله كتاب عن نجيب محفوظ، وهو "الشخصية الثانوية ودورها فى المعمار الروائى".
كنت أرجع إليه فى أغلب ما كتبت، وأصرِّح له برأيى فى الموضوع، فإذا وافقنى نشرته، وإذا كانت له ملاحظات عدلتها على الفور، وكان يقرأ لى، ويقول لى باستمرار دائم:
- يا حسين، أنا نفسى تعمل دراسات عليا، نفسى تكمل..
- والله يا دكتور محمد، أنا نفسى أنا الآخر أن أكمل.
- وما الذى يمعنك؟
- بعض العقبات تمنعنى الآن من المواصلة.
- والله يا حسين، أنت باحث ممتاز.. خسارة إنك متكملش..
- لأ يا دكتور محمد، هكمل إن شاء الله، ولكن عندما تسمح الفرصة.
كانت محادثتى معه تطول إلى أكثر من أربعين دقيقة كل مرة، وكأنها كانت محاضرة يمليها علىَّ، أو زادا أشبع به عقلى. كنا نطوف فى أحاديث شتى، أتذكر حديثى معى بشأن مصطفى صادق الرافعى، وأبديت له غضبى من كلام الأديب الجزائرى "واسينى الأعرج" عنه، وزعمه أن الرافعى كان فى منزلة والد مى زيادة، وتجنَّى عليه كثيرا، فقال الدكتور محمد:
- أنا مبسوط جدا من غيرتك على الرافعى، وياريت تكتب مقالا عن الرافعى ومى زيادة.
- إن شاء الله يا دكتور محمد، لكن للأسف لا أحد يقرأ، ومن ثم يقع كثير من الناس ضحية تضليل بعض الكتاب.
كنت أغيب عنه بعض الوقت، لكن غيابى كان مرده أننى لم أرد الإثقال عليه خاصة أنه كان متعبا قبل وفاته، كما كنت لا أريد أن أشركه فى همومى. مازال يعيش معى الدكتور محمد، وإن شغلتنى مسألة، أقول لنفسى: ماذا سيكون رأى الدكتور محمد فيها؟ أعتقد أنه سيقول كذا وكذا.
فى آخر اتصال به، تبادلنا أطراف الحديث ليلة العيد، وكان مشغولا إلى أقصى درجة، فمرة هاتف يرن، ومرة جرس الباب يدق، ومرة يرحب بضيف عنده، فقلت له: يا دكتور محمد نخليها مرة تانية، بعد انتهاء زحمة العيد إن شاء الله نكلم حضرتك، مع ألف سلامة، وياريت حضرتك لا تجهد نفسك فى الندوات وغيرها. لكنه صمم على مواصلة الحديث معى، وكم أسعدنى حين أخبرنى أنه تجاوز مرحلة المرض، وأنه قد صلَّى بالناس قاعدا أواخر الشهر الكريم، وكان فى غاية السرور. أتذكر أن الحديث تطرق بيننا إلى مأساة الأستاذ عماد الفقى، وأخبرته أننى بعد العيد أريد الكتابة حول تلك القضية.
لكن للأسف الشديد، شاءت إرادته سبحانه وتعالى أن يرحل وأنا فى عملى، ولم أقرأ الخبر إلا متأخرا، وأصابنى الذهول والحزن العميق لرحيل عالم جليل كانت لديه مكانة كبيرة عندى لا يمكن أن أصفها فى عدة كلمات.
لقد وقع علىَّ خبر رحيله كالصاعقة، ولا أتمالك نفسى إلى الآن، ولا أستطيع السيطرة عليها، لم يكن معلما لى فحسب، بل كان والدا ومربيا أمينا، له أفضال علىَّ وعلى الكثير من الباحثين والدارسين، لم يبخل على أحد بعلمه.

حسين السيد
لا أصدق أنه مات، كنت سأتصل به كالعادة لأخذ رأيه فى عدة موضوعات، منها الأمير شكيب أرسلان، وابن تيمية، وعن الذين يتخلصون من حياتهم بالانتحار، وكيف يكون دفاعهم أمام الله، كنت سأناقشه فى كثير من المسائل، وكان يقتنع بوجهة نظرى فى بعضها، وأقتنع بوجهة نظره فى أغلبها.
كان، رحمه الله، قريبا منى، فرقم هاتفه محفوظ فى ذهنى، لدرجة أننى لم أسجله على هاتفى، كنت أتابع كل ما يخصه، خاصة أحاديثه فى إذاعة القرآن الكريم، ومازالت كتبه موجودة على أرفف مكتبتى، وأعود إليها من وقت لآخر، وبرحيله ترك جرحا لم يلتئم بعد.
وإذا كان حرملة بن الزبير قال:
يا بنَ أمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي… أنتَ خلَّفْتني لدهْرٍ شديد
فأقول
يا أستاذى ومعلمى ويا قدوتى أنت خلفتنى لدهر شديد
















0 تعليق