Advertisement
رئيس الحكومة نواف سلام قال خلال جولاته الجنوبية إن وجود الجيش هو حضور للدولة واستعادة للسيادة. لكنه أقرّ، في الوقت نفسه، بأن سلطة الدولة لا تقتصر على الجيش والأجهزة الأمنية، بل تشمل المدارس والمراكز الصحية والبنى التحتية والخدمات العامة. وهنا تحديداً تظهر الفجوة: الجيش بدأ الانتشار في بعض البلدات، لكن مؤسسات الدولة المدنية لم تلحق به بالسرعة نفسها.
وعود محددة منذ أشهر
خلال جولة له في الجنوب في شباط الماضي، أعلن سلام مجموعة من المشاريع في بلدات حدودية، بينها تأهيل الطرق، وتحسين شبكات الاتصالات، وإصلاح شبكات المياه، وترميم المدارس، ودعم المزارعين. وفي يارين، شملت الوعود إنشاء خزان للمياه وإعادة بناء المدرسة المتوسطة. أما في طيرحرفا، فتحدثت الحكومة عن إصلاح مضخات المياه وتشغيلها بالطاقة الشمسية وتأهيل المدرسة الرسمية.
وفي تموز، وبعد دخول الجيش إلى زوطر الغربية، عادت الحكومة لتتحدث عن فتح الطرق، ورفع الأنقاض، وإعادة الخدمات، وتأمين مساكن مؤقتة وانتقالية، بينها بيوت جاهزة، للعائلات التي دُمرت منازلها. لكن تكرار العناوين نفسها في أكثر من جولة حكومية يطرح سؤالاً عن حجم ما نُفذ فعلاً. حتى الآن، لا توجد أمام الرأي العام خريطة رسمية مفصلة تبيّن، ما أُنجز في شبكات المياه والكهرباء والطرقات والمدارس، في كل بلدة، وما لا يزال ينتظر التمويل أو القرار الأمني.
وفي بنت جبيل، خاطب ممثلو البلديات رئيس الحكومة بعبارة مباشرة: "ننتظر بدء إعادة الإعمار الذي وعدتمونا به". وفي عيترون، تحدث الأهالي عن صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية وعن الأضرار التي أصابت برك الري وشبكات المياه. وهذه المطالب، التي نُقلت خلال جولة سلام الجنوبية، تؤكد أن المشكلة لم تعد في إعلان الخطط، بل في تحويلها إلى أعمال واضحة ومواعيد ملزمة.
من جهة اخرى، باشرت الدولة أعمالاً لفتح الطرق وإزاحة الركام في عشرات البلدات. لكن جزءاً كبيراً من هذه العمليات اقتصر على دفع الأنقاض إلى جوانب الطرق لتسهيل المرور، من دون نقلها نهائياً أو البدء بإعادة بناء المنازل. فهناك فارق عملي بين فتح طريق أمام آلية عسكرية وبين إعادة قرية إلى الحياة. إزالة المباني المهددة بالسقوط تحتاج إلى كشوف هندسية وموافقة أصحاب العقارات وآلية لحفظ مقتنياتهم. أما إعادة الإعمار فتحتاج إلى تعويضات وتمويل ومتعهدين ورقابة ومهل تنفيذ. كذلك، بقي الوصول إلى بعض البلدات والأراضي محدوداً بسبب المخاطر الأمنية والدمار والذخائر غير المنفجرة. وفي نهاية حزيران، كانت أكثر من 60 بلدة ومزرعة لا تزال ضمن مناطق تخضع لقيود أمنية، ولذلك، فإن نجاح الانتشار في قرية لا يعني تلقائياً أن الظروف نفسها باتت متوافرة في كل القرى الحدودية.
التمويل أقل بكثير من حجم الأضرار
تستند الحكومة في جزء أساسي من خطتها إلى مشروع المساعدة الطارئة للبنان، المعروف باسم "LEAP". وقد حصل المشروع على تمويل أولي بقيمة 250 مليون دولار ضمن إطار قابل للتوسع إلى مليار دولار. لكن هذه الأموال وُضعت أساساً لمعالجة أضرار المرحلة الممتدة بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2024، حين قدّر البنك الدولي حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، بينها أضرار كبيرة في النقل والمياه والطاقة والمدارس والمستشفيات والخدمات البلدية. أما الحرب التي تجددت في عام 2026 فأضافت أضراراً جديدة لم تكن داخلة في التقديرات الأصلية. وتوضح بيانات البنك الدولي أن مبلغ 250 مليون دولار ليس ميزانية شاملة لإعمار الجنوب، بل دفعة أولى لحاجات طارئة ومحددة.
ومن هذا المبلغ، خُصص نحو 50 مليون دولار للاستجابة العاجلة، بما يشمل رفع الأنقاض وإزالة الأبنية الخطرة وفتح الطرق، ونحو 175 مليوناً لإصلاحات في قطاعات المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم. وفي المقابل، لا تزال فجوة التمويل في المشروع تقارب 750 مليون دولار، فيما لم تعلن الحكومة موازنة موحدة ونهائية لبرنامج إعادة الإعمار. هذا النقص يفسر جزءاً من التأخير، لكنه لا يجيب عن أسئلة الأهالي بشأن ترتيب الأولويات: ما هي القرى التي ستبدأ فيها الأشغال أولاً؟ كيف ستُدفع التعويضات؟ ومن يحدد المنازل القابلة للترميم أو الواجب هدمها؟ وما هي المهل المحددة لإعادة المياه والكهرباء والمدارس؟
العودة إلى المنزل لا تعني استعادة الحياة
حتى نهاية حزيران، كان نحو 400 ألف شخص قد عادوا من أصل قرابة مليون نازح. لكن جزءاً من هذه العودة كان لتفقد المنازل والأراضي أو الإقامة في ظروف مؤقتة، لا لاستئناف حياة طبيعية.
وتشير التقديرات إلى تضرر أو تدمير نحو 90 ألف وحدة سكنية في الحرب الأخيرة. وهناك عائلات عادت إلى منازل بلا مياه أو كهرباء، وأخرى لم تتمكن من العودة بسبب دمار المنزل أو غياب المدرسة والعمل والخدمات الصحية.
الملف التربوي يقدم مثالاً واضحاً، إذ تدمرت عشرات المدارس، ناهيك عن المئات الاخرى التي تضررت بدرجات متفاوتة. وهذا يعني أن انتشار الجيش، على أهميته، لا يكفي لإعادة آلاف التلامذة إلى صفوفهم.
الوضع الزراعي ليس أفضل. فقد أظهرت تقديرات وزارة الزراعة أن 76 في المئة من مزارعي الجنوب اضطروا إلى النزوح، وأن 22 في المئة من الأراضي الزراعية تضررت خلال المعارك الأخيرة. ومن دون الوصول الآمن إلى الحقول وإصلاح شبكات الري وتعويض المواسم والمحاصيل، لن تتمكن عائلات كثيرة من البقاء، حتى إذا كان منزلها لا يزال صالحاً للسكن.
رب عائلة من كفرصير: نحتاج إلى ضمانات وخدمات
وفي حديث له عبر "لبنان24" يختصر حسان برجاوي، وهو رب عائلة، المشكلة التي تواجه الأهالي. بالنسبة إليه، لا يزال الجنوب في مرحلة انتقالية بين توقف التصعيد والوصول إلى استقرار كامل.
ويربط برجاوي العودة الفعلية بثلاثة شروط: ضمانات أمنية تسمح للعائلات بالبقاء، وبدء جدي لإعادة الإعمار، وإعادة تشغيل البنى التحتية المتضررة، ولا سيما شبكات المياه والكهرباء.
ولعل هذا الكلام يعكس موقف شريحة واسعة من الجنوبيين. فالعائلة لا تتخذ قرار العودة استناداً إلى بيان سياسي أو صورة انتشار عسكري فقط. رب المنزل يسأل أولاً إن كان منزله آمناً، وإن كانت المياه تصل إليه، وإن كان أطفاله سيجدون مدرسة، وإن كان يستطيع العودة إلى أرضه أو متجره أو وظيفته.
ما الذي ينقص عودة الدولة؟
لا يمكن التقليل من أهمية انتشار الجيش، خصوصاً في بلدات بقيت لأشهر خارج السيطرة الفعلية للدولة. لكن الانتشار يمثل المرحلة الأمنية من العودة، وليس عودة الدولة بكامل وظائفها.
المطلوب اليوم خطة تنفيذية منشورة تتضمن وضع كل بلدة، وحجم أضرارها، والأعمال المطلوبة فيها، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، ومصدر التمويل، وموعد بدء الأشغال وانتهائها. كما يفترض إنشاء آلية موحدة للأهالي لمتابعة ملفات منازلهم وتعويضاتهم، بدلاً من توزيع المسؤولية بين الوزارات ومجلس الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار والبلديات.
المشكلة إذاً ليست في غياب القرارات كلياً. هناك إطار حكومي، وقرض دولي، وعمليات لرفع الأنقاض، ومشاريع معلنة للمياه والمدارس والطرقات. لكن هذه العناصر لا تزال متفرقة وأبطأ من حاجات السكان. فلقد عاد الجيش إلى بعض قرى الجنوب. أما الدولة، بمعناها الذي يريده الأهالي، أي الأمن والمنزل والمياه والمدرسة والعمل والتعويض، فلا تزال عودتها ناقصة.




0 تعليق