Advertisement
السؤال لا يتعلق بالدفاع عن الدور الإيراني في لبنان، ولا بتبرير وجود سلاح خارج الدولة، ولا بالدعوة إلى إعادة سوريا إلى الداخل اللبناني. المسألة أبسط وأعمق في الوقت نفسه: هل الاعتراض قائم فعلاً على مبدأ رفض التدخل الخارجي، أم أن الموقف من الخارج يتبدل بحسب هوية هذا الخارج والنتيجة السياسية التي يُنتظر منه تحقيقها؟
باراك كان قد أثار جدلاً بعدما قال إن إيران وحزب الله هما من الجهات الغائبة عن طاولة البحث، قبل أن يوضح لاحقاً أنه لم يكن يقترح التفاوض مع الحزب أو منحه شرعية سياسية، بل كان يصف صعوبة الوصول إلى حل لملف سلاح تموله وتدعمه إيران من دون أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار. وقال بوضوح إن واشنطن تتعامل مع الحكومة اللبنانية باعتبارها السلطة الشرعية.
من حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على هذه الحجة. لا دولة تستطيع بناء سيادتها إذا كانت القوى المسلحة خارج مؤسساتها تتحول إلى أطراف دولية مستقلة عنها. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يُستخدم المعيار نفسه في الاتجاه الآخر.
فخلال الأشهر الماضية، طُرحت علناً أفكار أميركية عن إمكان قيام سوريا بدور في ملف حزب الله. وفي حزيران الماضي، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن دمشق قد تكون قادرة على "التعامل" مع الحزب، ما دفع وزير العدل عادل نصار إلى رفض الفكرة والتأكيد أن نزع السلاح مسؤولية الدولة اللبنانية وليس قوات أجنبية. أي أن الاعتراض على الدور السوري لم يكن غائباً تماماً، وهذه نقطة ضرورية لتجنب المبالغة في توصيف المفارقة.
لكن اللافت كان اختلاف حجم الحساسية السياسية والإعلامية لدى بعض القوى. لم نسمع، بالحدة نفسها دائماً، سؤالاً بسيطاً: إذا كان إشراك إيران في البحث اللبناني انتقاصاً من السيادة، فماذا يكون إسناد مهمة أمنية داخل الأراضي اللبنانية إلى الجيش السوري؟
وإذا كانت الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في معالجة سلاح الحزب، يفترض أن يكون دخول أي جيش آخر إلى لبنان، سواء جاء من الشرق أو الغرب أو تحت أي مظلة دولية، خطاً أكثر وضوحاً لا أقل.
هنا تظهر مشكلة قديمة في مفهوم السيادة اللبنانية. فالسيادة في جزء كبير من النقاش السياسي لم تتحول بعد إلى قاعدة ثابتة تُطبق على الجميع، بل كثيراً ما تستخدم كسلاح سياسي. التدخل الخارجي الذي يدعم خصمي يصبح وصاية، أما التدخل الذي يضغط على خصمي فيصبح مساعدة دولية أو ضرورة إقليمية أو فرصة ينبغي الاستفادة منها.
تاريخ لبنان الحديث مليء بقوى استعانت، في مراحل مختلفة، بعواصم خارجية ثم اتهمت خصومها بالارتهان إلى الخارج. تغيرت العواصم وتبدلت التحالفات وبقي السلوك نفسه: الجميع يريد دولة مستقلة، لكن بعضهم يريد من الخارج أولاً أن يعدّل ميزان القوى الداخلي لمصلحته ثم ينسحب.
إذا كانت إيران تمول الحزب وتزوده بالسلاح وتمتلك قدرة فعلية على التأثير في قراراته، فإن أي مفاوض يريد معالجة ملف سلاحه سيضطر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إلى احتساب الموقف الإيراني. هذا لا يعني منح طهران مقعداً دستورياً في النظام اللبناني، تماماً كما أن أخذ الموقف الإسرائيلي أو الأميركي أو السوري في الاعتبار لا يمنح أياً من هذه الدول حق الوصاية على لبنان.
السياسة الخارجية لا تعمل وفق الأمنيات، بل وفق موازين القوة. ومن هنا ربما كان جوهر كلام باراك، بصرف النظر عن سوء صياغته أو تداعياته السياسية، أقرب إلى توصيف معضلة منه إلى تقديم حل: هناك حكومة تتفاوض باسم الدولة، لكن هناك في الوقت نفسه قوة عسكرية لبنانية كبرى لا تخضع بالكامل لقرار الحكومة، وهناك دولة إقليمية تمثل مصدر الدعم الأساسي لهذه القوة. تجاهل هذه المعادلة لا يلغيها.
في المقابل، فإن طرح تدخل سوري مباشر يحمل تناقضاً أكبر بكثير.فدمشق الجديدة نفسها أظهرت حتى الآن ميلاً إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر داخل لبنان، وتركز الاتصالات اللبنانية السورية على الحدود والتنسيق الأمني والعلاقات الثنائية. كما أن التصورات التي نوقشت حول الدور السوري تراوحت بين ضبط الحدود ومنع التهريب والتعاون الاستخباراتي وبين السيناريو الأكثر خطورة المتمثل في دخول قوات سورية إلى لبنان.
أن تساعد سوريا في منع انتقال السلاح عبر حدودها مسألة سيادية تخصها أيضاً. أما أن تدخل قوات سورية الأراضي اللبنانية لنزع سلاح تنظيم لبناني، فذلك يعني عملياً استبدال مشكلة السلاح خارج الدولة بمشكلة جيش أجنبي داخل الدولة.
كما أن الذاكرة اللبنانية ليست محايدة في هذا الملف. فالوجود العسكري السوري في لبنان امتد لعقود وانتهى عام 2005، ولذلك فإن أي حديث عن عودة قوات سورية لا يمكن التعامل معه كاقتراح أمني تقني منزوع التاريخ.
إذا كانت السيادة تعني أن الدولة وحدها تقرر في الحرب والسلم والسلاح، فإن المبدأ يجب أن يطبق على الجميع: لا قرار إيرانيا بديلاً عن القرار اللبناني، ولا قوات سورية لإنجاز مهمة لبنانية، ولا شروط إسرائيلية تفرض بالقوة العسكرية، ولا وصاية أميركية تحدد للبنانيين شكل نظامهم الأمني.
البلد لا يعاني فقط من كثرة المتدخلين فيه، بل من كثرة اللبنانيين المستعدين لقبول التدخل… شرط أن يأتي من الجهة التي يريدونها.





0 تعليق