بين عيسى وقاسم... معركة "حصرية السلاح" تنتقل من السياسة إلى الميدان

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
قد لا يكون جديدًا أن يتباين الخطاب بين واشنطن، ومعها الدولة اللبنانية بطبيعة الحال، وبين و"حزب الله" في مقاربة ملف السلاح وربطه بإنهاء الحرب أو استمرارها، ولو بأشكال مختلفة عن السابق. لكن الجديد هو أن هذا التباين بات يُعبَّر عنه بصورة أكثر وضوحًا وفي توقيت بالغ الحساسية، فيما يقف لبنان أمام مفترق طرق أمني وسياسي.

Advertisement


فحين يقول السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إنه عندما يتم تسليم السلاح تتوقف الحرب، فهو يطرح رؤية تعتبر أن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها من دون أي شريك معها هي المدخل لتثبيت الاستقرار وإنهاء الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار حربها على لبنان.

وفي المقابل، عندما يؤكد الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم "أننا ماضون في خياراتنا ولن نستسلم"، فإنه يعكس تمسك "الحزب" بخياراته السياسية والعسكرية، ويرفض أي مقاربة يرى فيها استجابة لضغوط إسرائيلية أو خارجية.

وبين هذين الموقفين، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد، وأمام مرحلة شديدة الخطورة، خصوصًا عندما يهدّد "حزب الله" بقرب انفجار الغضب، مع العلم أن "هذا الغضب"، الذي أخذ شكل المساندة لغزة في المرّة الأولى، ولإيران في المرّة الثانية، قد أدخل لبنان وجميع اللبنانيين في دوامة حروب لا يبدو أن ثمة نهاية قريبة لها، وذلك استنادًا إلى عودة الحراك الأميركي إلى واجهة المشهد اللبناني – الإسرائيلي مع الزيارة الجديدة التي قام بها رئيس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان، الجنرال جوزف كليرفيلد، إلى بيروت، بعدما سبقها بجولة في إسرائيل حمل خلالها الطروحات اللبنانية المتعلقة بما يُعرف بـ"المناطق التجريبية"، وآليات التحقق من تنفيذ التفاهمات الأمنية، ودور الجانب الأميركي في مواكبة هذه الآليات.


فهذه الحركة تعكس بوضوح أن واشنطن لا تزال تعتبر أن "اتفاق الإطار" يستحق بذل الجهود للحؤول دون انهياره، وأنها لا تريد الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، لما قد يترتب عليها من تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية.

غير أن الوساطة الأميركية تصطدم، وفق معظم القراءات، بعقدة أساسية تتمثل في الهوة القائمة بين المطالب اللبنانية والمواقف الإسرائيلية. فلبنان يطالب بخطوات عملية تعزز الثقة، فيما تبدو إسرائيل متمسكة بأولوياتها الأمنية، الأمر الذي يجعل أي تقدم سريع أمرًا بالغ الصعوبة.

من هنا، يبرز السؤال عمّا إذا كان المسار الدبلوماسي سيواكب إيقاع التطورات الميدانية، أم أن الوقائع على الأرض ستفرض نفسها على طاولة التفاوض؟

وتشير أوساط متابعة إلى أن الأيام المقبلة قد تكون حاسمة، ليس فقط بسبب استمرار التوتر على الحدود، بل أيضًا بفعل الحسابات السياسية داخل إسرائيل، حيث قد تؤثر الاستحقاقات الداخلية في طريقة إدارة الحكومة الإسرائيلية للملف الأمني.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي تدهور ميداني قد ينسف ما تحقق حتى الآن من تفاهمات، ويعيد لبنان إلى دوامة المواجهات، وهو ما يفسر استمرار الاتصالات العسكرية والدبلوماسية، حتى وإن كانت نتائجها لا تزال محدودة.

أما في الداخل اللبناني، فإن الرهان يبقى على أن تنجح الدولة في الحفاظ على وحدة موقفها، لأن أي تفاوض، مهما كان مستوى الوساطة الدولية، يحتاج إلى موقف لبناني متماسك يعزز القدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية.

قد تبدو المرحلة المقبلة، في رأي كثيرين أقرب إلى اختبار جدّي لإرادة الأطراف في الحفاظ على مسار التهدئة، أكثر منها مرحلة حسم أمني سريع. فكل خطوة ميدانية أو دبلوماسية ستحدد ما إذا كان "اتفاق الإطار" سيتحول إلى قاعدة أكثر استقرارًا، أم سيبقى تفاهمًا هشًا يتأثر بكل تطور على الأرض.

وعليه، فإن الدولة تسعى إلى تثبيت دورها واستعادة احتكار القرار الأمني، في وقت لا يزال "حزب الله" يعتبر أن سلاحه جزء من معادلة الردع والدفاع، وأن أي نقاش في هذا الملف يجب أن يرتبط بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، ووقف اعتداءاتها وضمانات أمنية واضحة.

فهذا التباين بين مختلف المواقف ليس جديدًا، لكنه يكتسب أهمية مضاعفة اليوم، لأن أي تفاهمات أمنية أو سياسية مقبلة تسعى واشنطن إلى تثبيت ركائزها ستتأثر إلى حد بعيد بطريقة إدارة هذا الملف، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقات لبنان مع المجتمع الدولي.

وفي الوقت نفسه، تبدو الحاجة ملحة إلى حوار داخلي جدي، لأن استمرار الانقسام حول قضية بهذا الحجم ينعكس على قدرة الدولة على التفاوض، وعلى صورتها أمام الجهات الدولية التي تربط جزءًا من دعمها للبنان بمدى تقدم تعزيز حضورها السياسي والأمني والاصلاحي.

فهل تتحول هذه المواقف المتقابلة إلى بداية حوار حول مستقبل الاستراتيجية الدفاعية، أم أنها ستؤدي إلى تعميق الانقسام في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى أكبر قدر ممكن من التماسك الداخلي؟

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق