Advertisement
المشكلة الأساسية ليست في مبدأ التفاوض، بل في أولوية التنفيذ. لبنان يطالب بأن تبدأ إسرائيل الانسحاب من المناطق التي تحتلها، ثم ينتشر الجيش ويتسلّم الأرض ويثبت سلطة الدولة. في المقابل، تريد إسرائيل ربط أي انسحاب بإثبات خلو المناطق من سلاح "حزب الله"، ما يثير خشية لبنانية من تحويل الانسحاب إلى عملية مشروطة ومفتوحة زمنياً، ومنح إسرائيل حق تقييم الأداء اللبناني وتأجيل التزاماتها.
لذلك، يسعى عون إلى الحصول من ترامب على التزام أميركي عملي، لا مجرد إعلان دعم لسيادة لبنان. والهدف هو تحديد جدول واضح للانسحاب، وضمان وقف الاعتداءات خلال التنفيذ، ومنع إسرائيل من إبقاء قواتها بحجة استمرار السلاح. كما يحمل عون ملف دعم الجيش مالياً وعسكرياً ولوجستياً، لأن انتشاره في الجنوب يحتاج إلى تجهيزات وقدرات ووحدات إضافية تتيح له ضبط الأرض ومنع الفراغ الأمني.
ويُتوقع أن يطرح الرئيس عون أيضاً إعادة الإعمار وعودة السكان إلى القرى المدمرة، باعتبار أن الاستقرار لا يتحقق بالترتيبات الأمنية وحدها. لكن لا توجد معطيات رسمية تؤكد وجود صندوق أميركي جاهز أو مساعدات محددة، والأرجح أن واشنطن ستربط أي دعم واسع بتقدم الدولة في الإصلاحات، وضبط الحدود، وتعزيز المؤسسات، وحصر القرار الأمني بيدها.
في الداخل، لا توجد جبهة سياسية واسعة تعارض زيارة عون بحد ذاتها، بل ينقسم اللبنانيون حول مضمونها ونتائجها. القوى المؤيدة لحصر السلاح بيد الدولة، وفي مقدمها القوات اللبنانية والكتائب وقوى أخرى، ترى في اللقاء فرصة لتثبيت موقع الدولة، دعم الجيش، دفع إسرائيل إلى الانسحاب، ومنع بقاء قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات.
في المقابل، يعارض "حزب الله" والقوى السياسية التي تدور في فلكه ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه، ويعتبر أن على إسرائيل الانسحاب ووقف اعتداءاتها أولاً، ثم يُبحث ملف السلاح ضمن حوار داخلي. كما يخشى "الحزب" من أن تتحول المناطق التجريبية إلى تقسيم تدريجي للجنوب، تبقى فيه إسرائيل في أجزاء واسعة إلى حين تحقيق شروط أمنية تفرضها بنفسها.
أما الرئيس نبيه بري وحركة أمل، فلا يعارضان التفاوض أو الزيارة، لكنهما يتحفظان على أي صيغة لا تقدم ضمانات واضحة للانسحاب، أو تفرض على لبنان تنفيذ التزاماته قبل حصوله على مقابل إسرائيلي. وبين الفريقين، توجد قوى تطالب بتزامن الخطوات: انسحاب، وقف للغارات، انتشار للجيش، عودة للأهالي، ثم معالجة السلاح داخلياً.
نجاح الزيارة لن يُقاس بصورة عون وترامب، بل بما يليها. فإذا بدأ الانسحاب وحددت المراحل وانتشر الجيش، تكون القمة قد أعطت المسار الدبلوماسي قوة فعلية. أما إذا عاد عون بتعهدات لبنانية من دون خطوات إسرائيلية مقابلة، فسيعتبر المعارضون أن واشنطن ضغطت على لبنان من دون إلزام إسرائيل. وتبقى مهمة عون إقناع ترامب بأن بسط سلطة الدولة يجب أن يسير بالتوازي مع الانسحاب ووقف الاعتداءات، لا أن يكون شرطاً أحادياً يسبق كل مقابل.
وبذلك، تبدو القمة اختباراً لقدرة الرئاسة اللبنانية على تحويل الرعاية الأميركية إلى ضمانات قابلة للتطبيق، وعلى حماية الجيش من الدخول في مواجهة داخلية، ومنع تحميل لبنان وحده كلفة التسوية، فيما يبقى الاحتلال قائماً وتستمر الضربات ويُؤجل الإعمار والعودة إلى أجل غير معلوم.





0 تعليق