Advertisement
عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح الجيش في قلب المعادلة: قوة سيادية مطلوبة لبنانيًا، وضمانة أمنية مطلوبة خارجيًا، ومؤسسة لا تستطيع أن تتحمل وحدها أثقال تسوية لم تنضج سياسيًا بعد.
ورقة سيادة أم امتحان مفروض؟
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، تحمل "المناطق التجريبية" إغراءً واضحًا. فبعد أشهر طويلة من الحرب والاستنزاف والتدمير والنزوح، تبدو أي صيغة تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار الجيش خطوة يمكن البناء عليها. من هذه الزاوية، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بالمفاوضات، بل بإعادة وصل الجنوب بالدولة عبر المؤسسة العسكرية، وبإعطاء الأهالي إشارة أولية إلى أن الأمن يمكن أن ينتقل تدريجيًا من منطق الجبهة المفتوحة إلى منطق السلطة الشرعية.
هنا يكمن التعقيد الحقيقي. فإذا نجحت التجربة، ستُقدَّم بوصفها دليلًا على قدرة الجيش على تولي المسؤولية في الجنوب، وربما كمدخل لتوسيع انتشاره ورفع منسوب الثقة الدولية به. أما إذا تعثرت، لأي سبب سياسي أو أمني أو ميداني، فقد تُستخدم النتيجة للتشكيك في قدرة الدولة على ملء الفراغ، أو لتبرير استمرار إسرائيل في احتلال نقاط لبنانية تحت عنوان الحاجة إلى ضمانات إضافية. بهذا المعنى، لا تكون "المناطق التجريبية" اختبارًا لإسرائيل وحدها، ولا للحكومة اللبنانية وحدها، إنما امتحانًا مبكرًا للجيش داخل تسوية لا يملك وحده شروط نجاحها.
حين يصبح الدعم امتحانًا للسيادة
المشكلة الثانية في الطرح تتصل بطبيعة الدعم الخارجي وحدوده. فواشنطن لا تكتفي، وفق الصيغ المتداولة، بالحديث عن انتشار لبناني في مناطق محددة، إنما تربط هذا الانتشار بتدريب وتدقيق وضمانات تتصل بالوحدات التي ستتولى المهمة، وبمدى استقلالها عن أي نفوذ لـ"حزب الله".
قد يبدو هذا الأمر مفهومًا في منطق التفاوض الأميركي والإسرائيلي، لكنه يفتح لبنانيًا سؤالًا حساسًا: هل يُدعَم الجيش كي يمارس سيادته، أم يُراقَب كي يثبت صلاحيته أمام الخارج؟
لا يمكن للبنان أن يرفض مبدأ الدعم للجيش، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي أثقلت المؤسسة العسكرية وأضعفت قدراتها اللوجستية والعملياتية. كما أنّ أي انتشار جدي في الجنوب يحتاج إلى تجهيز وتدريب وتنسيق وغطاء سياسي داخلي ودولي. لكنّ الخط الفاصل بين الدعم والوصاية يبقى دقيقًا، خصوصًا إذا ارتبط انتشار الجيش بمعايير يحددها الخارج، أو إذا تحوّل نجاحه إلى شرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي أوسع. عندها تصبح المؤسسة العسكرية أمام معادلة شائكة: أن تؤدي مهمة سيادية لبنانية، فيما تُقاس نتائجها بعيون إسرائيلية وأميركية.
يزيد النقاش حول مستقبل "اليونيفيل" والدور الدولي المقبل في الجنوب من حساسية هذه المعادلة. فالمطلوب لبنانيًا ليس استبدال وصاية بوصاية أخرى، ولا نقل إدارة الجنوب من معادلة السلاح غير الشرعي إلى معادلة الرقابة الخارجية. المطلوب أن يكون الدعم الدولي عامل تمكين للجيش لا بديلًا عن القرار الوطني، وأن يكون الانتشار اللبناني مقدمة لانسحاب إسرائيلي واضح لا صيغة تسمح لإسرائيل بالبقاء في نقاط حدودية بحجة انتظار نتائج التجربة.



0 تعليق