Advertisement
في القراءة اللبنانية الرسمية وغير الرسمية، لم تعد المفاوضات تُختصر بجدواها التقنية أو السياسية المباشرة، بل بما تمثّله من رسائل تتجاوز مضمون الجلسات نفسها. فالسلطة اللبنانية، رغم إقرارها بالأمر الواقع الذي فرضه مسار إسلام آباد وما نتج عنه من وقائع سياسية وإقليمية جديدة، لا تريد أن يبدو وكأن هذا المسار أصبح الإطار الوحيد الذي تُدار من خلاله ملفات لبنان الحساسة.
من هنا، فإن الإبقاء على قناة تفاوض مباشرة، ولو محدودة الفعالية، يحمل بحد ذاته موقفاً سياسياً مفاده أن لبنان لا يسلّم كاملاً بمسار واحد ولا يقبل أن تتحول التفاهمات الإقليمية الكبرى إلى المرجعية الحصرية لمستقبله. هذا التموضع يمنح الدولة هامشاً سياسياً، ولو رمزياً، لإظهار أن لديها أكثر من نافذة وأكثر من خيار في إدارة المرحلة المقبلة.
في المقابل، تبدو واشنطن أيضاً غير مستعدة لإقفال هذا الباب حالياً. فالولايات المتحدة التي ترعى هذا المسار، لا تزال عملياً في بدايات مفاوضاتها مع الإيرانيين، وهي تدرك أن تقديم تنازل سياسي كامل في الساحة اللبنانية سيُقرأ كانتصار مجاني لطهران. صحيح أن الإيرانيين حصلوا على مكتسب مهم مرتبط بتثبيت وقف إطلاق النار، كما أن التطورات المقبلة قد تدفع نحو منحهم مكاسب إضافية مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي الجزئي أو حتى الكامل من الجنوب، إلا أن منحهم أيضاً احتكار المسار السياسي اللبناني يبقى خطوة لا تبدو واشنطن مستعدة لها في هذه المرحلة.
لذلك، سيستمر الدفع الأميركي باتجاه إبقاء المفاوضات قائمة، حتى لو أصبحت اليوم أضعف من أي وقت مضى. عوامل داخلية لبنانية، وتبدلات إقليمية متسارعة، وتراجع القدرة على فرض التسويات السريعة، كلها عناصر تجعل هذا المسار هشاً ومحدود التأثير. لكنه، في الوقت نفسه، يبقى قائماً لأنه يخدم أهدافاً سياسية تتجاوز الوصول إلى نتائج مباشرة على الأرض.












0 تعليق