لم تأتِ العقوبات الأميركية على رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية في فراغ. ففي لحظة سياسية شديدة الحساسية تفصل بين توقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية ومحادثات واشنطن المرتقبة بين 23 و25 حزيران الجاري، اختارت الإدارة الأميركية أن توسّع دائرة الضغط على "حزب الله" وحلفائه، في وقت تستمرّ إسرائيل في استخدام النار والاحتلال الجزئي كورقة ضغط على لبنان.
ليست المرة الأولى التي يُضيّق فيها الأميركيون خناقهم على الشبكة المالية للحزب، لكنها المرة الأولى التي تطال فيها العقوبات شخصية سياسية بحجم فرنجية بتهمة الارتباط المباشر بهذه الشبكة. وإذا كان الأخير سارع إلى تأكيد ثباته على مواقفه، وأنّ العقوبات لا تعنيه، فإنّ الأثر الحقيقي لهذه الإجراءات لا يُقاس دائمًا بالردود الفورية، إنما بتراكم الضغط وتضييق هامش المناورة على المدى المتوسط.
بهذا المعنى، لا تبدو العقوبات إجراءً ماليًا أو قانونيًا منفصلًا، بقدر ما تبدو رسالة سياسية موجهة إلى البيئة الحليفة لـ"حزب الله". فواشنطن لا تضغط على الحزب وحده، إنما توسّع دائرة الضغط نحو الشخصيات والقوى التي ترى أنها وفّرت له غطاء سياسيًا داخل المؤسسات، أو ساهمت في تثبيت نفوذه خلال السنوات الماضية. ولذلك، فإن إدراج فرنجية على لائحة العقوبات يتجاوز شخصه، ليطرح سؤالًا أوسع: هل بدأت واشنطن ترفع كلفة التحالف السياسي مع "حزب الله" عشية الدخول في مرحلة تفاوضية جديدة؟
رسالة إلى الحلفاء
من حيث الشكل، اعتادت العقوبات الأميركية أن تطاول شخصيات مرتبطة مباشرة بـ"حزب الله"، أو شبكات مالية يُشتبه في أنها تؤمّن له التمويل والتحويلات والواجهة الاقتصادية. غير أن إدراج شخصية مثل سليمان فرنجية يعطي الحزمة الأخيرة بعدًا مختلفًا، لأن الأمر هنا يتجاوز الحلقة الحزبية الضيقة إلى أحد أبرز الحلفاء السياسيين للحزب في البيئة المسيحية وفي معادلة السلطة.
هذا التفصيل هو جوهر الرسالة. فواشنطن تريد القول إن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون شبيهة بما قبلها، وإن التحالف مع الحزب لن يبقى بلا ثمن خارجي. لم يعد الضغط محصورًا بالقيادات الحزبية أو بالقنوات المالية المباشرة، بل صار يلامس الغطاء السياسي الذي يسمح للحزب بالحضور داخل الدولة وبالتأثير في الاستحقاقات الكبرى، في محاولة لنقل كلفة التحالف معه من مستوى السجال الداخلي إلى مستوى العقوبة الدولية.
لا يعني ذلك أن واشنطن تتوقع أن تؤدي العقوبات وحدها إلى فكّ التحالفات أو تغيير الاصطفافات سريعًا. على العكس، غالبًا ما تدفع هذه الإجراءات المستهدفين بها إلى رفع السقف والتمسك بالمواقف والتشدد، باعتبار ما حصل استهدافًا سياسيًا لهم. لكن أهميتها تكمن في أنها تفتح مسارًا جديدًا من الضغط، وتضع الحلفاء أمام حسابات مختلفة، خصوصًا في مرحلة يكثر فيها الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة للبنان.
ضغط قبل التفاوض
تكتسب العقوبات معناها الأوضح من توقيتها، إذ إنّ تزامنها مع اقتراب جولة التفاوض الجديدة ليس تفصيلًا. فواشنطن تعرف أن المفاوضات حول الجنوب لن تدور فقط حول نقاط انتشار الجيش الإسرائيلي أو جدول الانسحاب أو ضمانات أمن المستوطنات الشمالية.
خلف هذه العناوين، ثمة سؤال أكبر: من يملك القدرة على تنفيذ أي اتفاق داخل لبنان؟ الدولة التي تفاوض، أو القوى التي تملك نفوذًا فعليًا على الأرض؟
في العمق، ترى واشنطن أن مشكلة "حزب الله" لا تتعلق بسلاحه وحده، إنما بالمنظومة التي تجعل هذا السلاح قادرًا على الاستمرار سياسيًا وماليًا ومؤسساتيًا. لهذا، يصبح الضغط على الحلفاء جزءًا من مقاربة أوسع، هدفها إضعاف قدرة الحزب على استخدام غطائه الداخلي في مواجهة أي مسار تفاوضي يتصل بالجنوب أو بمستقبل سلاحه. ومن هذه الزاوية، تبدو العقوبات جزءًا من عملية إعداد سياسي للجولة المقبلة.
في المقابل، تواصل إسرائيل الضغط من الجهة الأخرى. فهي لا تتعامل مع الاتفاق الأميركي-الإيراني كمسار يفرض عليها انسحابًا سريعًا، بل تسعى إلى تثبيت شروط أمنية على الأرض، من خلال البقاء في نقاط جنوبية، والاستمرار في الضربات، والحديث عن ضمانات تمنع عودة التهديد إلى شمالها. أما الدولة، فتدخل هذه المرحلة وهي مطالبة بأن تحوّل هذا الضغط إلى ورقة تفاوضية لمصلحة الانسحاب وبسط سلطتها، لا أن تبقى ساحة تتلقى رسائل الآخرين.
لا تعني العقوبات على فرنجية أن واشنطن حسمت شكل المرحلة المقبلة في لبنان، لكنها تؤكد أن ملف "حزب الله" لم يعد يُقارب من زاوية السلاح وحده. هناك محاولة واضحة للذهاب إلى الحلفاء، والغطاء السياسي، وشبكة النفوذ التي تحمي هذا السلاح داخل المعادلة اللبنانية. لذلك، لا يقتصر السؤال على مدى تأثير العقوبات على فرنجية نفسه، بل يتعداه إلى ما إذا كانت تمثل بداية نهج أميركي أوسع يستهدف الحلفاء والبيئة السياسية المحيطة بـ"حزب الله" قبل الدخول في أي تسوية.
بهذا المعنى، يدخل لبنان محادثات واشنطن تحت ضغط رسائل متداخلة: إسرائيل تضغط من الجنوب، والولايات المتحدة تضغط بالعقوبات، و"حزب الله" يرفض أن يدفع ثمن التفاهم قبل ضمان الانسحاب. وبين هذه الضغوط، تبقى الدولة أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل اللحظة إلى ورقة تفاوضية لمصلحتها، أم تجد نفسها مرة أخرى في موقع من يتلقى نتائج التسويات بدل أن يصنعها؟
Advertisement
ليست المرة الأولى التي يُضيّق فيها الأميركيون خناقهم على الشبكة المالية للحزب، لكنها المرة الأولى التي تطال فيها العقوبات شخصية سياسية بحجم فرنجية بتهمة الارتباط المباشر بهذه الشبكة. وإذا كان الأخير سارع إلى تأكيد ثباته على مواقفه، وأنّ العقوبات لا تعنيه، فإنّ الأثر الحقيقي لهذه الإجراءات لا يُقاس دائمًا بالردود الفورية، إنما بتراكم الضغط وتضييق هامش المناورة على المدى المتوسط.
بهذا المعنى، لا تبدو العقوبات إجراءً ماليًا أو قانونيًا منفصلًا، بقدر ما تبدو رسالة سياسية موجهة إلى البيئة الحليفة لـ"حزب الله". فواشنطن لا تضغط على الحزب وحده، إنما توسّع دائرة الضغط نحو الشخصيات والقوى التي ترى أنها وفّرت له غطاء سياسيًا داخل المؤسسات، أو ساهمت في تثبيت نفوذه خلال السنوات الماضية. ولذلك، فإن إدراج فرنجية على لائحة العقوبات يتجاوز شخصه، ليطرح سؤالًا أوسع: هل بدأت واشنطن ترفع كلفة التحالف السياسي مع "حزب الله" عشية الدخول في مرحلة تفاوضية جديدة؟
رسالة إلى الحلفاء
من حيث الشكل، اعتادت العقوبات الأميركية أن تطاول شخصيات مرتبطة مباشرة بـ"حزب الله"، أو شبكات مالية يُشتبه في أنها تؤمّن له التمويل والتحويلات والواجهة الاقتصادية. غير أن إدراج شخصية مثل سليمان فرنجية يعطي الحزمة الأخيرة بعدًا مختلفًا، لأن الأمر هنا يتجاوز الحلقة الحزبية الضيقة إلى أحد أبرز الحلفاء السياسيين للحزب في البيئة المسيحية وفي معادلة السلطة.
هذا التفصيل هو جوهر الرسالة. فواشنطن تريد القول إن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون شبيهة بما قبلها، وإن التحالف مع الحزب لن يبقى بلا ثمن خارجي. لم يعد الضغط محصورًا بالقيادات الحزبية أو بالقنوات المالية المباشرة، بل صار يلامس الغطاء السياسي الذي يسمح للحزب بالحضور داخل الدولة وبالتأثير في الاستحقاقات الكبرى، في محاولة لنقل كلفة التحالف معه من مستوى السجال الداخلي إلى مستوى العقوبة الدولية.
لا يعني ذلك أن واشنطن تتوقع أن تؤدي العقوبات وحدها إلى فكّ التحالفات أو تغيير الاصطفافات سريعًا. على العكس، غالبًا ما تدفع هذه الإجراءات المستهدفين بها إلى رفع السقف والتمسك بالمواقف والتشدد، باعتبار ما حصل استهدافًا سياسيًا لهم. لكن أهميتها تكمن في أنها تفتح مسارًا جديدًا من الضغط، وتضع الحلفاء أمام حسابات مختلفة، خصوصًا في مرحلة يكثر فيها الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة للبنان.
ضغط قبل التفاوض
تكتسب العقوبات معناها الأوضح من توقيتها، إذ إنّ تزامنها مع اقتراب جولة التفاوض الجديدة ليس تفصيلًا. فواشنطن تعرف أن المفاوضات حول الجنوب لن تدور فقط حول نقاط انتشار الجيش الإسرائيلي أو جدول الانسحاب أو ضمانات أمن المستوطنات الشمالية.
خلف هذه العناوين، ثمة سؤال أكبر: من يملك القدرة على تنفيذ أي اتفاق داخل لبنان؟ الدولة التي تفاوض، أو القوى التي تملك نفوذًا فعليًا على الأرض؟
في العمق، ترى واشنطن أن مشكلة "حزب الله" لا تتعلق بسلاحه وحده، إنما بالمنظومة التي تجعل هذا السلاح قادرًا على الاستمرار سياسيًا وماليًا ومؤسساتيًا. لهذا، يصبح الضغط على الحلفاء جزءًا من مقاربة أوسع، هدفها إضعاف قدرة الحزب على استخدام غطائه الداخلي في مواجهة أي مسار تفاوضي يتصل بالجنوب أو بمستقبل سلاحه. ومن هذه الزاوية، تبدو العقوبات جزءًا من عملية إعداد سياسي للجولة المقبلة.
في المقابل، تواصل إسرائيل الضغط من الجهة الأخرى. فهي لا تتعامل مع الاتفاق الأميركي-الإيراني كمسار يفرض عليها انسحابًا سريعًا، بل تسعى إلى تثبيت شروط أمنية على الأرض، من خلال البقاء في نقاط جنوبية، والاستمرار في الضربات، والحديث عن ضمانات تمنع عودة التهديد إلى شمالها. أما الدولة، فتدخل هذه المرحلة وهي مطالبة بأن تحوّل هذا الضغط إلى ورقة تفاوضية لمصلحة الانسحاب وبسط سلطتها، لا أن تبقى ساحة تتلقى رسائل الآخرين.
لا تعني العقوبات على فرنجية أن واشنطن حسمت شكل المرحلة المقبلة في لبنان، لكنها تؤكد أن ملف "حزب الله" لم يعد يُقارب من زاوية السلاح وحده. هناك محاولة واضحة للذهاب إلى الحلفاء، والغطاء السياسي، وشبكة النفوذ التي تحمي هذا السلاح داخل المعادلة اللبنانية. لذلك، لا يقتصر السؤال على مدى تأثير العقوبات على فرنجية نفسه، بل يتعداه إلى ما إذا كانت تمثل بداية نهج أميركي أوسع يستهدف الحلفاء والبيئة السياسية المحيطة بـ"حزب الله" قبل الدخول في أي تسوية.
بهذا المعنى، يدخل لبنان محادثات واشنطن تحت ضغط رسائل متداخلة: إسرائيل تضغط من الجنوب، والولايات المتحدة تضغط بالعقوبات، و"حزب الله" يرفض أن يدفع ثمن التفاهم قبل ضمان الانسحاب. وبين هذه الضغوط، تبقى الدولة أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل اللحظة إلى ورقة تفاوضية لمصلحتها، أم تجد نفسها مرة أخرى في موقع من يتلقى نتائج التسويات بدل أن يصنعها؟







0 تعليق