ضربة الضاحية تفتح الباب الإيراني.. هل سقطت هدنة لبنان؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم تكن الغارة الإسرائيلية على تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت، الأحد الماضي، ضربة عسكرية عابرة في سلسلة ضربات متواصلة منذ أشهر، ولا خرقًا إسرائيليًا إضافيًا في سجل طويل من الخروقات. كانت اختبارًا لسقف المرحلة كلها: ما الذي يمكن لإسرائيل أن تفعله في لبنان من دون أن ينهار ما تبقّى من هدنة؟ وما الذي ستفعله إيران عندما تتجاوز تل أبيب الخطوط التي حاولت واشنطن تثبيتها؟

Advertisement


سريعًا، جاء الرد. فبعد الضربة الإسرائيلية للضاحية، دخلت إيران مباشرة على خط الرد الصاروخي ضد إسرائيل، للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى الجولة السابقة من المواجهة الإقليمية. وبذلك، عادت الضاحية لتظهر لا كمنطقة لبنانية مستهدفة فحسب، وإنما كنقطة تماس بين الحسابات اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية، في لحظة كانت واشنطن تحاول فيها منع أي اشتباك موضعي من التحول إلى شرارة أوسع.

هنا تكمن الخطورة الفعلية. فلبنان الذي كان ينتظر أن يفتح وقف النار باب التراجع التدريجي في الاستهدافات، وجد نفسه أمام معادلة أكثر قسوة: ضربة كبيرة على أرضه قد تستدعي ردًا من خارجه، وردّ من الخارج قد يعيد فتح باب الضربات داخله. هكذا، وفي أقل من 24 ساعة، انتقل لبنان من اختبار وقف إطلاق النار إلى اختبار قواعد الاشتباك الإقليمية بأسرها، وهو ما يكشف أن الهامش الذي حاولت واشنطن تثبيته بين الملف اللبناني والحرب الأوسع كان هشًا منذ البداية.

إسرائيل تختبر ما هو مسموح

اختيار الضاحية لم يكن اعتباطيًا، ولا تفصيلًا عابرًا في التوقيت أو الجغرافيا السياسية. فإسرائيل أرادت من خلال الضربة أن تقول إنها لا تزال قادرة على الوصول إلى أكثر المناطق رمزية بالنسبة إلى "حزب الله"، وأن وقف النار لا يعني منعها من توسيع بنك أهدافها عندما ترى أن هناك ما يستدعي ذلك. وفي الوقت نفسه، أرادت أن تكرّس فكرة أن عمليات من هذا النوع "مشروعة" طالما تأتي في إطار "حق الرد" على انتهاك "حزب الله" لاتفاق تنتهكه هي بصورة يومية.


بهذا المنطق، أرادت تل أبيب إعادة تفعيل معادلة قديمة: أي إطلاق من الأراضي اللبنانية يبرّر ضرب بيروت نفسها، حتى في خضم المفاوضات التي ترعاها واشنطن. غير أن الرسالة الأعمق لم تقتصر على "حزب الله"، ولا سيما أن الضربة جاءت في لحظة كان يجري فيها اختبار اتفاق واشنطن، والبحث في آليات التنفيذ وحدود التزامات كل طرف. ومن هذه الزاوية، أرادت إسرائيل أن تقول لإيران إن الساحة اللبنانية لا تزال قابلة للاستهداف، بصرف النظر عمّا يجري في مسارات التفاوض.

لكن خلف الضربة الإسرائيلية للضاحية، ثمّة رسالة غير خفية لواشنطن أيضًا، قوامها أن التنسيق المسبق لا يعني التقييد الكامل ولو أكّدت تل أبيب أنها أبلغت إدارة الرئيس دونالد ترامب بها مسبقًا. أما مضمون الرسالة، فهو أن التنسيق المسبق لا يعني التقييد الكامل. لذلك، بدا الاستهداف محاولة إسرائيلية لفرض تفسير أحادي لوقف النار، يقوم على "حرية حركة" مطلقة لإسرائيل جويًا وعسكريًا، في مقابل تهدئة مشروطة بعدم الرد على الانتهاكات التي لا تتوقف.

إيران تعيد وصل الساحات

عمليًا، لم يكن الرد الإيراني مفاجئًا لمن تابع التصريحات التي سبقته. فقد أعلنت طهران صراحة أنها ستشن ضربات ضد إسرائيل في حال استهداف العاصمة اللبنانية، وهو ما حصل. لكن المهم لا يكمن في التسلسل الزمني وحده، وإنما في ما يعنيه هذا الرد على صعيد المعادلة.

فمنذ وقف إطلاق النار في  نيسان الماضي، حرصت واشنطن على فصل الملف اللبناني عن الحرب الأوسع مع إيران. وراهنت على فكرة أن لبنان يمكن أن يسير نحو اتفاق شامل مع إسرائيل بمعزل عمّا يجري على الجبهة الإيرانية، وهو ما كان يجري العمل على تكريسه من خلال اتفاق وقف إطلاق النار، ولو بقي هشًا، إلى جانب مسار 22 حزيران. لكن الرد الإيراني جاء ليقول العكس، وفتح من جديد الباب الذي حاولت الدبلوماسية الأميركية إغلاقه.

بهذا المعنى، وجّهت طهران رسالة مزدوجة: استهداف الضاحية لن يبقى شأنًا لبنانيًا داخليًا، ومحاولة عزل لبنان عن المواجهة الإقليمية لن تمر بسهولة. فالضاحية، بعد هذه الجولة، لم تعد تفصيلًا في المشهد اللبناني وحده، وإنما صارت مؤشرًا مباشرًا إلى ما قد تفعله طهران في أي جولة مقبلة. وهنا تبدو خطورة التحول. فإيران أعادت، بردّها، وصل المسارين اللبناني والإقليمي. وما كانت واشنطن تحاول تفكيكه سياسيًا أعادته الصواريخ إلى نقطة واحدة: لبنان ليس خارج الحرب الكبرى، حتى عندما لا يكون هو من يقرر توقيتها أو شكلها أو سقفها.

هذه الرسالة تضع الدولة اللبنانية في موقع شديد الحساسية. فهي لا تريد أن يتحول لبنان إلى مساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل، لكنها لا تملك في المقابل أدوات كافية لمنع إسرائيل من التصعيد، ولا القدرة الكاملة على منع طهران من إدخال الضاحية في معادلة الردع. وبين هذين الحدين، يدفع اللبنانيون كلفة قرارات لا تُصنع كلها في بيروت.

في النهاية، لا يقف لبنان اليوم أمام خرق جديد فقط، وإنما أمام اختبار أخطر: هل يستطيع وقف النار أن يتحول إلى حماية فعلية، أم يبقى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين؟

ضربة الضاحية وما تلاها من رد إيراني وضربات إسرائيلية داخل إيران توحي بأن الهدنة دخلت مرحلة أكثر هشاشة، وأن لبنان عاد، من جديد، إلى قلب معادلة لا يملك وحده قرار فتحها أو إقفالها.

لبنان ليس صاحب القرار في معادلة الردع الإيرانية - الإسرائيلية، لكنه يدفع كلفتها أرضًا وسماءً وشهداء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق