إلى دائرة التهديد، عادت بيروت، أقلّه في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، الذين لم يعد يريحهم ربما استمرار "حرية الحركة" التي يتباهون بها رغم الهدنة الهشّة المسمّاة زورًا، "وقف إطلاق نار"، فيما الحرب لم تتوقف في الجنوب ولو ليوم واحد، كما أنّها عادت إلى البقاع في الأيام الأخيرة، فاختاروا أن يرفعوا سقف المرحلة كلها، أمنيًا وسياسيًا وتفاوضيًا، من خلال التلويح باستهداف العاصمة اللبنانية.
في الأيام الأخيرة، بدا واضحًا أنّ تل أبيب لا تريد التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه قيدًا على حركتها. فالضربات تواصلت، والإنذارات اتسعت، والتهديدات خرجت من إطار القرى الحدودية إلى الحديث عن بيروت، في لحظة تُفتح فيها قنوات سياسية وأمنية برعاية أميركية، وتُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل الجنوب، ودور الجيش، وسلاح حزب الله، وشروط أي تهدئة أطول.
المفارقة أنّ هذا التصعيد لا يشبه سلوك من يريد إسقاط التفاوض، بقدر ما يشبه سلوك من يريد الدخول إليه من موقع أعلى. فالتهديد ببيروت على وقع استمرار الحرب في الجنوب يُرسل رسالة واضحة إلى أكثر من طرف في آنٍ واحد، فهل نحن أمام مقدمة حرب واسعة، أم أمام ضغط محسوب بالنار قبل طاولة المفاوضات؟ لكن ما قد يكون أهمّ من ذلك يبقى: هل تستخدم إٍسرائيل النار لتفجير المسار التفاوضي أم لتحسين شروطها داخله؟
إسرائيل تفاوض بالنار
ما تفعله إسرائيل في هذه المرحلة لا يبدو منفصلًا عن حساباتها التفاوضية. فهي تدرك أنّ أي مسار تفاوضي مقبل حول الجنوب لن يكون منفصلًا عن الوقائع الميدانية، ولذلك تحاول أن تصل إلى أي طاولة محتملة وهي تحمل رسالة واضحة عنوانها أنّ وقف إطلاق النار لا يقيّد حرية عملها العسكري، ولا يعني وقف قدرتها على الضرب متى شاءت وحيث شاءت، وبالتالي أنّ أي مسار نحو تهدئة دائمة يجب أن ينطلق من اعتراف مسبق بهذه الحرية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الغارات على الجنوب والبقاع، أو التلويح باستهداف بيروت، كأنها ردود فعل منفصلة. فهي تشكل جزءًا من ضغط متدرج يهدف إلى القول إنّ إسرائيل لن تنتظر نتائج التفاوض كي ترسم حدود المرحلة المقبلة. هي تريد أن ترسم هذه الحدود بالنار أولًا، ثم تذهب إلى السياسة من موقع ميداني أعلى، بمعنى أن الضغط على الأرض يترجَم إلى ورقة تفاوضية. وبالتالي تصبح كل غارة جزءًا من منظومة الشروط، لا مجرد رد فعل أمني.
وما يعزز هذه القراءة أنّ إسرائيل حتى الآن لم تتجاوز خطوطًا بعينها، ولم تُقدم على اجتياح برّي شامل، ولم تقطع المسار الدبلوماسي مع واشنطن، ما يوحي بأنّ الهدف ليس إشعال حرب جديدة، وإنما رفع كلفة أي تسوية لا تنتهي بضمانات أمنية واسعة تريحها على المدى البعيد. ومثل هذا السلوك ليس جديدًا في التجربة الإسرائيلية. فتل أبيب غالبًا ما تستخدم التصعيد أداة تفاوضية، فتضرب كي تفرض إيقاعًا، وتهدد كي ترفع الثمن.
بين تفجير التفاوض وتحسين الشروط
توسّع إسرائيل إذًا بنك الأهداف كي تقول للوسطاء إنّ أي تسوية لا تلبي شروطها لن تكون كافية لوقف عملياتها في مواجهة حزب الله. ويأتي استحضار بيروت في الخطاب الإسرائيلي ضمن هذا النهج، فهو يعني وضع الدولة اللبنانية بالكامل أمام اختبار، باعتبار أن المسألة لم تعد تتعلق فقط بقرية حدودية أو موقع عسكري أو منطقة في البقاع، وإنما بإمكان نقل الضغط إلى مستوى سياسي ومعنوي أعلى.
غير أنّ المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط فيما تفعله إسرائيل، وإنما في أنّ لبنان يواجه هذا التصعيد من موقع مزدوج الضعف. فحزب الله يتمسك بسلاحه باعتباره الضمانة الوحيدة في وجه الاعتداءات، بل إن التهديدات الإسرائيلية تمنحه مادة إضافية للتأكيد أن سلاحه لا يزال ضرورة ما دامت إسرائيل تضرب وتحتل وتلوّح بتوسيع العدوان. وفي المقابل، تتمسّك الدولة بالتفاوض والقرار 1701 والانسحاب الإسرائيلي عنوانًا، لكنها لا تملك وحدها أدوات فرض هذه العناوين على أرض الواقع.
صحيح أن الدولة تحاول أن تدخل المسار التفاوضي بصفتها صاحبة الصلاحية، لكنها تتحرك وسط انقسام داخلي عميق حول السلاح، ووسط ضغوط خارجية تريد نتائج سريعة، فيما تستثمر إسرائيل هذا التفاوت لرفع السقف.والأخطر أنّ القوى السياسية اللبنانية المختلفة، رغم خلافها حول السلاح، لا تقدّم تصورًا عمليًا مشتركًا لكيفية حماية الجنوب في هذه المرحلة الانتقالية بالذات. فالجدل يدور حول الشرعية والسيادة والاستراتيجية الدفاعية، في حين أنّ الجنوبيين النازحين ينتظرون إجابات أكثر عملية وأقل مراوغة.
لذلك، تبدو الدولة كأنها عالقة بين خطرين. إذا تقدمت في التفاوض من دون أوراق كافية، تخشى أن تتحول إلى واجهة لترتيبات لا تستطيع تنفيذها كاملة. وإذا بقيت في موقع الانتظار، تترك إسرائيل وحزب الله والوسطاء يرسمون قواعد المرحلة عنها. وإذا رفعت السقف من دون قدرة، تظهر عاجزة. وإذا خفضته أكثر مما ينبغي، تبدو كأنها تقرّ بشروط لا تملك تعديلها. أما واشنطن، التي ترعى المسار السياسي والأمني، فتجد نفسها أمام اختبار مزدوج: منع التصعيد من نسف التفاوض، ومنع التفاوض من الظهور كأنه يجري تحت سقف النار الإسرائيلية.
مأزق الحماية الناقصة
بين سلاح يقول إنه يحمي ولا يمنع الغارات، ودولة تطالب بالسيادة ولا تملك كل أدواتها بعد، يجد لبنان نفسه في مأزق الحماية الناقصة. وهذا المأزق تحديدًا هو ما تستثمره إسرائيل حين تلوّح ببيروت؛ لأنها تعرف أنّ الانقسام الداخلي حول السلاح يجعل الردّ اللبناني الموحّد شبه مستحيل.
من هنا، قد لا يكون التصعيد الأخير مقدمة حتمية لحرب شاملة، لكنه بالتأكيد محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة قبل أي تفاوض. إسرائيل ترفع النار، وحزب الله يتمسك بمعادلة الردع، والدولة تبحث عن موقع بينهما في ظروف لا تسمح بالترف السياسي. غير أنّ السؤال الذي يسبق كل ما عداه يبقى واحدًا: من يملك القدرة فعليًا على منع بيروت من العودة إلى بنك الأهداف؟
Advertisement
في الأيام الأخيرة، بدا واضحًا أنّ تل أبيب لا تريد التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه قيدًا على حركتها. فالضربات تواصلت، والإنذارات اتسعت، والتهديدات خرجت من إطار القرى الحدودية إلى الحديث عن بيروت، في لحظة تُفتح فيها قنوات سياسية وأمنية برعاية أميركية، وتُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل الجنوب، ودور الجيش، وسلاح حزب الله، وشروط أي تهدئة أطول.
المفارقة أنّ هذا التصعيد لا يشبه سلوك من يريد إسقاط التفاوض، بقدر ما يشبه سلوك من يريد الدخول إليه من موقع أعلى. فالتهديد ببيروت على وقع استمرار الحرب في الجنوب يُرسل رسالة واضحة إلى أكثر من طرف في آنٍ واحد، فهل نحن أمام مقدمة حرب واسعة، أم أمام ضغط محسوب بالنار قبل طاولة المفاوضات؟ لكن ما قد يكون أهمّ من ذلك يبقى: هل تستخدم إٍسرائيل النار لتفجير المسار التفاوضي أم لتحسين شروطها داخله؟
إسرائيل تفاوض بالنار
ما تفعله إسرائيل في هذه المرحلة لا يبدو منفصلًا عن حساباتها التفاوضية. فهي تدرك أنّ أي مسار تفاوضي مقبل حول الجنوب لن يكون منفصلًا عن الوقائع الميدانية، ولذلك تحاول أن تصل إلى أي طاولة محتملة وهي تحمل رسالة واضحة عنوانها أنّ وقف إطلاق النار لا يقيّد حرية عملها العسكري، ولا يعني وقف قدرتها على الضرب متى شاءت وحيث شاءت، وبالتالي أنّ أي مسار نحو تهدئة دائمة يجب أن ينطلق من اعتراف مسبق بهذه الحرية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الغارات على الجنوب والبقاع، أو التلويح باستهداف بيروت، كأنها ردود فعل منفصلة. فهي تشكل جزءًا من ضغط متدرج يهدف إلى القول إنّ إسرائيل لن تنتظر نتائج التفاوض كي ترسم حدود المرحلة المقبلة. هي تريد أن ترسم هذه الحدود بالنار أولًا، ثم تذهب إلى السياسة من موقع ميداني أعلى، بمعنى أن الضغط على الأرض يترجَم إلى ورقة تفاوضية. وبالتالي تصبح كل غارة جزءًا من منظومة الشروط، لا مجرد رد فعل أمني.
وما يعزز هذه القراءة أنّ إسرائيل حتى الآن لم تتجاوز خطوطًا بعينها، ولم تُقدم على اجتياح برّي شامل، ولم تقطع المسار الدبلوماسي مع واشنطن، ما يوحي بأنّ الهدف ليس إشعال حرب جديدة، وإنما رفع كلفة أي تسوية لا تنتهي بضمانات أمنية واسعة تريحها على المدى البعيد. ومثل هذا السلوك ليس جديدًا في التجربة الإسرائيلية. فتل أبيب غالبًا ما تستخدم التصعيد أداة تفاوضية، فتضرب كي تفرض إيقاعًا، وتهدد كي ترفع الثمن.
بين تفجير التفاوض وتحسين الشروط
توسّع إسرائيل إذًا بنك الأهداف كي تقول للوسطاء إنّ أي تسوية لا تلبي شروطها لن تكون كافية لوقف عملياتها في مواجهة حزب الله. ويأتي استحضار بيروت في الخطاب الإسرائيلي ضمن هذا النهج، فهو يعني وضع الدولة اللبنانية بالكامل أمام اختبار، باعتبار أن المسألة لم تعد تتعلق فقط بقرية حدودية أو موقع عسكري أو منطقة في البقاع، وإنما بإمكان نقل الضغط إلى مستوى سياسي ومعنوي أعلى.
غير أنّ المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط فيما تفعله إسرائيل، وإنما في أنّ لبنان يواجه هذا التصعيد من موقع مزدوج الضعف. فحزب الله يتمسك بسلاحه باعتباره الضمانة الوحيدة في وجه الاعتداءات، بل إن التهديدات الإسرائيلية تمنحه مادة إضافية للتأكيد أن سلاحه لا يزال ضرورة ما دامت إسرائيل تضرب وتحتل وتلوّح بتوسيع العدوان. وفي المقابل، تتمسّك الدولة بالتفاوض والقرار 1701 والانسحاب الإسرائيلي عنوانًا، لكنها لا تملك وحدها أدوات فرض هذه العناوين على أرض الواقع.
صحيح أن الدولة تحاول أن تدخل المسار التفاوضي بصفتها صاحبة الصلاحية، لكنها تتحرك وسط انقسام داخلي عميق حول السلاح، ووسط ضغوط خارجية تريد نتائج سريعة، فيما تستثمر إسرائيل هذا التفاوت لرفع السقف.والأخطر أنّ القوى السياسية اللبنانية المختلفة، رغم خلافها حول السلاح، لا تقدّم تصورًا عمليًا مشتركًا لكيفية حماية الجنوب في هذه المرحلة الانتقالية بالذات. فالجدل يدور حول الشرعية والسيادة والاستراتيجية الدفاعية، في حين أنّ الجنوبيين النازحين ينتظرون إجابات أكثر عملية وأقل مراوغة.
لذلك، تبدو الدولة كأنها عالقة بين خطرين. إذا تقدمت في التفاوض من دون أوراق كافية، تخشى أن تتحول إلى واجهة لترتيبات لا تستطيع تنفيذها كاملة. وإذا بقيت في موقع الانتظار، تترك إسرائيل وحزب الله والوسطاء يرسمون قواعد المرحلة عنها. وإذا رفعت السقف من دون قدرة، تظهر عاجزة. وإذا خفضته أكثر مما ينبغي، تبدو كأنها تقرّ بشروط لا تملك تعديلها. أما واشنطن، التي ترعى المسار السياسي والأمني، فتجد نفسها أمام اختبار مزدوج: منع التصعيد من نسف التفاوض، ومنع التفاوض من الظهور كأنه يجري تحت سقف النار الإسرائيلية.
مأزق الحماية الناقصة
بين سلاح يقول إنه يحمي ولا يمنع الغارات، ودولة تطالب بالسيادة ولا تملك كل أدواتها بعد، يجد لبنان نفسه في مأزق الحماية الناقصة. وهذا المأزق تحديدًا هو ما تستثمره إسرائيل حين تلوّح ببيروت؛ لأنها تعرف أنّ الانقسام الداخلي حول السلاح يجعل الردّ اللبناني الموحّد شبه مستحيل.
من هنا، قد لا يكون التصعيد الأخير مقدمة حتمية لحرب شاملة، لكنه بالتأكيد محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة قبل أي تفاوض. إسرائيل ترفع النار، وحزب الله يتمسك بمعادلة الردع، والدولة تبحث عن موقع بينهما في ظروف لا تسمح بالترف السياسي. غير أنّ السؤال الذي يسبق كل ما عداه يبقى واحدًا: من يملك القدرة فعليًا على منع بيروت من العودة إلى بنك الأهداف؟











0 تعليق