إقفال مصانع وخفض رواتب وخسارة أسواق خارجية.. أزمة تفتك في القطاع الصناعي

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
"إذا بتحب لبنان حب صناعتو"، عبارة لم تكن مجرد شعار، بل كانت تعبيرًا عن فكرة أساسية مفادها أن قوة أي بلد تنطلق من إنتاجه وقدرته على الاعتماد على نفسه. على مدى سنوات، ارتبطت هذه الجملة بصناعة لبنانية استطاعت أن تثبت حضورها، مستندة إلى جودة إنتاجها وكفاءتها رغم مختلف الأزمات.

Advertisement

 

لكن الواقع اليوم بات مختلفًا عمّا كان عليه عند إطلاق تلك الحملة. فالقطاع الصناعي، الذي شكّل أحد ركائز الصمود الاقتصادي، يواجه اليوم ضغوطًا متزايدة وأزمات متلاحقة، تفاقمت مع تداعيات الحرب الأخيرة. 

 

في هذا السياق، أوضح  نائب رئيس جمعية الصناعيين، زياد بكداش، في حديث لـلبنان 24، أنّ "حرب 2026 تسببت بأكبر ضرر للقطاع الاقتصادي عمومًا، وخصوصًا للقطاع الصناعي، إذ إن لبنان كان لا يزال يحاول التعافي من تداعيات حرب 2024 حين اندلعت الحرب الجديدة، ما فاقم حجم الأزمة وأثقل كاهل المؤسسات الاقتصادية والصناعية".

 

غياب الدعم المالي وتعطّل آليات التمويل

وأشار إلى أنّ الحروب السابقة كانت تشهد دعمًا من القطاع المصرفي للقطاعات الاقتصادية، بينما يغيب هذا الدعم اليوم بشكل كامل، موضحًا أنّ "تمويل الشركات بات يعتمد على المبيعات فقط، ومع تراجعها يصبح من الصعب تأمين المواد الأولية اللازمة لاستمرار الإنتاج".

 

انكماش الإنتاج وإقفال المصانع

وكشف بكداش أنّ القطاع الصناعي تراجع بنحو 50%، لافتًا إلى أنّ عددًا كبيرًا من المصانع الواقعة في المناطق الساخنة أقفل أبوابه، فيما سجّلت مصانع الكماليات في المناطق الآمنة تراجعًا في المبيعات تراوح بين 80 و90%. وأضاف أنّ قطاع الصناعات الغذائية، رغم كونه الأكثر نشاطًا خلال الحروب، لم يعد يعمل بالقدرة الإنتاجية نفسها بسبب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، حيث بات الطلب يقتصر على السلع الأساسية دون الكماليات.

 

وفي ما يتعلق بالأضرار المباشرة، أكد أنّ جمعية الصناعيين لم تتلقَّ حتى الآن معلومات عن تدمير كامل لمصانع منتسبة إليها، إلا أنّ بعض المصانع في المناطق غير الآمنة تعرّضت لأضرار جزئية.

العمال بين التوقف وتقلّص الرواتب

وأوضح أنّ "العمال والموظفين يبقون الحلقة الأضعف دائمًا"، مشيرًا إلى أنّ المصانع المقفلة بالكامل في المناطق غير الآمنة توقفت عن العمل، فيما غادر العديد من العمال تلك المناطق، ما صعّب التواصل بينهم وبين إدارات المصانع. وأضاف أنّ بعض المصانع توقفت عن دفع الرواتب بالكامل بسبب الإقفال التام، بينما تلجأ مصانع أخرى إلى دفع نصف راتب لفترة محدودة، لكنها غير قادرة على الاستمرار بذلك في ظل غموض موعد انتهاء الحرب.

 

وأكد أنّ "الهاجس الأكبر يتمثل في مدة استمرار الحرب وتوقيت انتهائها"، مشيرًا إلى المخاوف المرتبطة بقدرة المصانع على الاستمرار، وتأمين رواتب الموظفين، وتسديد مستحقات الموردين، والحفاظ على تصريف الإنتاج، خصوصًا أنّ نحو 30% من السوق اللبناني تأثر بشكل كبير بالحرب. وأضاف أنّ بعض المصانع التي لا تزال تعمل بوتيرة مقبولة باتت تدفع الرواتب على دفعتين أو ثلاث دفعات.

 

أما بالنسبة للصناعات الغذائية، فأوضح أنّ المطاعم والفنادق تشكل الزبون الأساسي لهذا القطاع، إلا أنّ التراجع الحاد في الحركة السياحية انعكس سلبًا على المصانع الغذائية.

 

خسارة الأسواق الخارجية وارتفاع كلفة الشحن

وأشار بكداش إلى أنّ الأزمة لم تعد محصورة بالسوق المحلي، بل امتدت إلى الأسواق الخارجية أيضًا، موضحًا أنّ الدول العربية والخليجية تُعد من أبرز الأسواق التي تستقبل الصادرات اللبنانية، إلى جانب الأسواق الأوروبية والأميركية.

 

ولفت إلى أنّ الدول الخليجية والعربية تشهد بدورها تراجعًا اقتصاديًا وانخفاضًا في القدرة الشرائية، فضلًا عن تراجع الحركة السياحية، ما دفع العديد من المستوردين إلى تجميد أو إلغاء طلباتهم والاكتفاء بالاحتياجات الأساسية فقط. كما ساهم الارتفاع الكبير في كلفة الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب في إضعاف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية ورفع الكلفة الإنتاجية.

 

وأوضح أنّ "الكلفة ارتفعت بشكل كبير، فالحاوية التي كانت تُشحن من بيروت إلى الكويت بكلفة 2500 دولار، باتت اليوم تكلّف نحو 6500 دولار، ما أدى عمليًا إلى خسارة السوق الخليجية". وأضاف أنّ الأسواق الأوروبية تعاني أيضًا من تباطؤ اقتصادي وتراجع في الطلب بنحو 50%، ما يعني أنّ لبنان يخسر تدريجيًا أسواق التصدير، بالتزامن مع أزمة خانقة في السوق المحلي، وهو ما يفسّر وصول تأثير الحرب على القطاع الصناعي إلى حدود 50%.

 

وختم بالتأكيد أنّ حركة الاستيراد والتصدير لا تزال مستمرة حتى الآن رغم كل الصعوبات، مشيرًا إلى أنّ البدائل اللوجستية لا تزال متاحة، إذ يمكن الاعتماد على مرفأ طرابلس في حال إقفال مرفأ بيروت، كما يمكن استخدام المعابر البرية مع سوريا في حال حدوث حصار بحري أو إقفال المرافئ.

 

في المحصّلة، يقف القطاع الصناعي اليوم أمام مرحلة دقيقة تختبر قدرته على الصمود في ظل ضغط اقتصادي متصاعد وتداعيات حرب انعكست على مختلف مفاصل الإنتاج. وبين التحديات الراهنة ومحاولات التكيّف، يبقى مستقبل الصناعة اللبنانية مرتبطًا بمدى استقرار الأوضاع وقدرتها على استعادة توازنها ودورها في الاقتصاد الوطني.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق