تتقدّم المفاوضات إلى ما هو أبعد من تثبيت وقف إطلاق النار أو إدارة التهدئة في الجنوب، فواشنطن أعلنت عن جولة رابعة من المفاوضات يومي 2 و3 حزيران المقبل، بالتوازي مع إطلاق مسار أمني في البنتاغون يوم 29 أيار، بمشاركة وفود عسكرية من الطرفين، في خطوة تعكس انتقال البحث من إطار التهدئة الميدانية إلى محاولة صياغة ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد.
Advertisement
وتنقسم المفاوضات الجارية إلى مسارين أساسيين: الأول عسكري يتصل بوقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، فيما يتمحور الثاني حول ملف حصرية السلاح بيد الدولة ، وترتيبات أمنية مستدامة على الحدود. وبين المسارين، تتصاعد المخاوف من أن يتحول التدرج الأمني المطروح إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية، وسط أسئلة متزايدة حول موقع الجيش، ومستقبل سلاح حزب الله، وحدود الدور الأميركي في إعادة تشكيل المشهد.
إنّ ما انتهت إليه مفاوضات واشنطن في 29 أيار يوضح، بحسب العميد الركن الدكتور بهاء حلال، أنّ المنطقة لا تقف أمام مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بل أمام محاولة أميركية لإعادة صياغة البنية الأمنية والسياسية اللبنانية ضمن نظام إقليمي جديد، تُعاد فيه تعريفات الأمن والسيادة ووظيفة الدولة ودور السلاح خارج مؤسساتها الرسمية.
فالمعطيات المتداولة حول المسار الأمني تشير إلى مشروع متعدد المراحل يبدأ من الجنوب اللبناني، وتحديدًا جنوب نهر الليطاني، تحت عنوان تثبيت الهدنة ومنع عودة الجبهة العسكرية ضد إسرائيل. لكن القراءة الأعمق تكشف، وفق حلال، أنّ الهدف يتجاوز ذلك بكثير، ليصل تدريجيًا إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية اللبنانية بأكملها، انطلاقًا من تعزيز انتشار الجيش، وإنشاء آليات مراقبة وتنسيق برعاية أميركية، وربط إعادة الإعمار والدعم المالي بالإجراءات الأمنية، وصولًا إلى ملف سلاح حزب الله شمال الليطاني، ثم في الضاحية الجنوبية وبيروت.
وهنا تحديدًا يبدأ التشابه مع اتفاق 17 أيار 1983، ليس بالضرورة من حيث الشكل القانوني المباشر، بل من حيث الفلسفة السياسية والأمنية الكامنة خلف المشروع.
ففي الحالتين، تظهر الولايات المتحدة، كما يقول العميد حلال، بوصفها الراعي والضامن والمشرف على إعادة إنتاج توازن أمني جديد، تكون فيه الأولوية المطلقة لأمن إسرائيل وحدودها الشمالية. كما أنّ جوهر الطرح الأميركي الحالي يقوم على فكرة تحويل الدولة اللبنانية تدريجيًا إلى شريك أمني في ضبط المقاومة وسلاحها، وهو ما يعيد إلى الأذهان الفلسفة نفسها التي قام عليها اتفاق 17 أيار، حين جرى ربط الاستقرار اللبناني بالترتيبات الأمنية المرتبطة بإسرائيل.
إلا أنّ الفارق الجوهري بين مرحلتي 1983 و2026 يتمثل في تغيّر موازين القوى. ففي الثمانينيات، كانت إسرائيل تحتل بيروت وأجزاء واسعة من لبنان، وكانت الدولة اللبنانية شبه منهارة، فيما كانت الحرب الأهلية في ذروتها. أما اليوم، فالوضع أكثر تعقيدًا، إذ إنّ إسرائيل لم تحقق حسمًا استراتيجيًا كاملًا، وحزب الله ما زال يمتلك قدرة عسكرية وتنظيمية وشبكة نفوذ واسعة رغم الضربات، كما أنّ البيئة الشيعية لا تزال تنظر إلى السلاح باعتباره عنصر حماية وردع في مواجهة إسرائيل.
لهذا، تبدو الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية الحالية أقرب إلى مشروع احتواء تدريجي طويل الأمد، وليس فرض استسلام مباشر أو سريع. ومن هنا يأتي الحديث، بحسب العميد حلال، عن خطوة مقابل خطوة، أي إجراءات أمنية لبنانية مقابل تهدئة ودعم اقتصادي وإعادة إعمار وضمانات سياسية ودولية.
وبهذا المعنى، يصبح المسار الأمني ليس اتفاقًا نهائيًا، بل عملية تراكمية تهدف إلى نقل ملف السلاح من موقع القوة المستقلة إلى موقع الملف الخاضع للتفاوض والتقييد، لكن النقطة الأخطر في المشروع المطروح لا تتعلق فقط، بحسب العميد حلال، بسلاح حزب الله، بل بالمؤسسة العسكرية اللبنانية نفسها، فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تراهن على الجيش اللبناني بوصفه الأداة الشرعية الوحيدة القادرة على تنفيذ أي ترتيبات أمنية مستقبلية. ومن هنا، لا يمكن فهم الدعم الأميركي المتزايد للجيش بمعزل عن محاولة إعادة تعريف دوره في المرحلة المقبلة، وهنا تبرز حساسية موقع العماد رودولف هيكل، قائد الجيش، الذي يجد نفسه أمام واحدة من أعقد المعادلات في تاريخ المؤسسة العسكرية اللبنانية: كيف يمكن الحفاظ على العلاقة مع المجتمع الدولي والدعم الخارجي، وفي الوقت نفسه منع انزلاق الجيش إلى مواجهة داخلية مع بيئة لبنانية واسعة؟
فالجيش، تاريخيًا، وكما يؤكد العميد حلال، لم يُبنَ كأداة صدام أهلي، بل كمؤسسة توازن وطني هدفها حماية الاستقرار، ومنع التفكك، والحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الدولة. ولهذا، فإنّ أخطر ما في الطرح الأميركي الحالي ليس فقط فكرة نزع السلاح، بل احتمال دفع الجيش تدريجيًا إلى التموضع داخل اشتباك داخلي سياسي ـ مذهبي تحت عنوان حصرية السلاح بيد الدولة.
وفي هذا السياق، فإنّ أي حديث، كما يقول العميد حلال، عن ألوية مشتركة أو ترتيبات أمنية مرتبطة مباشرة بالرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية، سيضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار وجودي شديد الحساسية، لأنّ الانتقال من جنوب الليطاني إلى شماله، ثم إلى الضاحية الجنوبية وبيروت، ليس مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال إلى قلب البيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة للمقاومة.
وهنا تحديدًا تصبح المقارنة، كما يقول حلال، مع تجربة سعد حداد وأنطوان لحد حاضرة بقوة في الوعي اللبناني. فصحيح أنّ الظروف مختلفة جذريا، وأنّ الحديث اليوم لا يدور حول ميليشيا محلية منفصلة على غرار جيش لبنان الجنوبي، إلا أن التشابه يكمن في الفلسفة الأمنية نفسها، أي إنشاء بنية لبنانية مرتبطة وظيفيا بالأمن الإسرائيلي تحت عناوين حماية الحدود وضبط المقاومة، لكن الفرق أنّ المشروع الحالي لا يحاول بناء "ميليشيا" موازية للدولة، بل يسعى إلى استخدام مؤسسات الدولة نفسها، وفي مقدمتها الجيش، ضمن منظومة أمنية إقليمية جديدة تحظى بغطاء دولي وأميركي.
ومن هنا، فإنّ الخشية اللبنانية الكبرى لا تتمثل فقط، كما يقول العميد حلال، في مسألة التطبيع أو التفاوض، بل في احتمال تحوّل الانقسام حول ملف السلاح إلى شرخ داخلي يهدد وحدة الدولة نفسها. فالذهاب السريع أو القسري نحو مواجهة داخلية مع حزب الله قد يؤدي إلى اهتزاز المؤسسة العسكرية، وتصاعد الاحتقان الطائفي، وتفكك التوازنات اللبنانية الهشة.
ولهذا، تبدو واشنطن حتى الآن وكأنها تدفع الأمور بهدوء، لا نحو انفجار شامل، لأنّ الحرب الأهلية اللبنانية، رغم أنّها قد تحقق لإسرائيل هدف إضعاف المقاومة واستنزاف البيئة الحاضنة لها، فإنّها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية يصعب السيطرة عليها.
وعليه، فإنّ ما يجري اليوم، بحسب العميد حلال، يمكن وصفه بأنّه محاولة لإعادة هندسة لبنان أمنيًا وسياسيًا عبر التدرج والاحتواء والضغوط، وليس عبر الحسم العسكري المباشر. لكن نجاح هذا المشروع يبقى مرتبطًا بسؤال لم يُحسم بعد: هل يستطيع لبنان إعادة صياغة عقده الداخلي حول مفهوم الدولة والسلاح والسيادة، من دون الانزلاق إلى صدام أهلي جديد؟
وهذا تحديدا هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان لبنان أمام تسوية تاريخية جديدة، أم أمام نسخة محدثة وأكثر تعقيدًا من أزمات 17 أيار والحرب الأهلية معا. وأمام ما تقدم، يرى العميد حلال أنّ سيناريو الخطوة مقابل خطوة هو الأقرب إلى الواقع، باعتباره النموذج العملي المطروح حاليًا، أي خطوة أمنية مقابل تخفيف الضربات، ومساعدات، وإعادة إعمار، ودعم دولي، وضمانات سياسية. فعلى سبيل المثال: إبعاد السلاح من جنوب الليطاني مقابل تهدئة. تعزيز الجيش مقابل مساعدات وتسليح. مراقبة المعابر في مقابل تخفيف الضغط الاقتصادي. نقاش السلاح الثقيل مقابل تثبيت سياسي وإعادة إعمار. وهذا ينسجم مع ما يُتداول أميركيًا حول التدرج لا الحسم الفوري.












0 تعليق