فالرياض، ووفق ما تراه أوساط ديبلوماسية عربية، سيكون لها الدور المؤثّر بالنسبة إلى ما ينتظره لبنان من حلول بعد أن تضع الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل و"حزب الله" أوزارها، وذلك على قاعدة إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 7 أكتوبر من العام 2022، حيث كانت المملكة تقود خطّ الانفتاح والاعتدال في مقاربة الأوضاع المتوترة في المنطقة.
وفي اعتقاد هذه الأوساط أن السلطة اللبنانية مدعومة من المملكة السعودية في خياراتها السلمية أقوى بكثير مما لو كانت "تقاتل" منفردة في ساحة مكشوفة، أقّله بالنسبة إلى ما يمكن أن تؤّمنه الرياض من غطاء معنوي ومادي لبيروت في مفاوضاتها المباشرة مع إسرائيل، وذلك نظرًا إلى ما تتمتع به السعودية من علاقات دولية، وبالأخصّ مع الإدارة الأميركية الحالية برئاسة دونالد ترامب، ومدى تأثيرها على مجريات القرارات التي يمكن أن تُتخذ في "البيت الأبيض" تجاه لبنان ومستقبله في ضوء ما ستسفر عنه مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل، علمًا أنه لو تُرك لبنان "يقّلع" شوكه بيديه المكبلتين لن يستطيع لوحده أن يحصل على ما يحفظ حدوده ووحدته. أمّا إذا وقفت الرياض إلى جانب المفاوض اللبناني فإن بمقدوره أن يفرض ما يستطيع من شروطه البديهية، وأولها إلزام تل أبيب على وقف نهائي لإطلاق النار بموجب ما تمّ الاتفاق عليه، والاتفاق على آلية إنهاء الاحتلال، على أن يلي ذلك البدء بورشة إعادة الاعمار، والتي سيكون للسعودية فيها مساهمة جادّة وفاعلة.
ولا يقتصر الدور السعودي المرتقب على توفير غطاء سياسي أو دعم تفاوضي ظرفي، بل يتعدّاه إلى مقاربة شاملة لإخراج لبنان من أزمته البنيوية التي تفاقمت بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي. فالمملكة، التي راكمت خبرات واسعة في إدارة المبادرات الإقليمية وإعادة الاستقرار إلى أكثر من ساحة، تبدو مؤهلة للعب دور محوري في رسم خارطة طريق إنقاذية للبنان، تبدأ بتثبيت الاستقرار الأمني ولا تنتهي بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا الإطار، يمكن توقّع أن يتحرّك الدور السعودي على أكثر من مستوى. أولًا، سياسيًا، عبر دعم الدولة اللبنانية في تثبيت سيادتها الكاملة على أراضيها، ومواكبة أي اتفاق يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها، بما يضمن تطبيقًا فعليًا للقرارات الدولية ذات الصلة، ولا سيما القرار 1701، بما يكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعيد الاعتبار إلى مؤسساتها الشرعية.
ثانيًا، اقتصاديًا، حيث يمكن للرياض أن تكون في طليعة الدول الداعمة لورشة إعادة الإعمار، سواء عبر استثمارات مباشرة في البنى التحتية، أو من خلال تحفيز الصناديق العربية والدولية على الانخراط في خطة إنقاذ متكاملة. وليس خافيًا أن أي نهوض اقتصادي في لبنان يحتاج إلى رافعة خارجية وازنة، والسعودية بما تمتلكه من إمكانات مالية وعلاقات دولية قادرة على لعب هذا الدور، شرط أن تقترن هذه المساعدة بإصلاحات جدية وشفافة من الجانب اللبناني.
ثالثًا، ديبلوماسيًا، من خلال توظيف علاقاتها المتشعّبة، ولا سيما مع الولايات المتحدة والدول المؤثرة، لتأمين مظلّة دولية تحمي أي اتفاق يتم التوصل إليه، وتمنع انهياره عند أول اختبار، وهو ما يفتقده لبنان في تجاربه السابقة مع الهدن الهشّة والتفاهمات المؤقتة.
أما على المستوى الداخلي، فإن الدعم السعودي لن يكون منفصلًا عن الدفع في اتجاه إعادة انتظام الحياة السياسية، وتفعيل مؤسسات الدولة، ومواكبة أي مسار إصلاحي يعيد الثقة العربية والدولية بلبنان. فالمملكة، التي لطالما ربطت مساعداتها بضرورة قيام دولة فاعلة وقادرة، لن تنخرط في أي مشروع إنقاذي من دون ضمانات واضحة تتعلّق بالحَوكمة والشفافية ومكافحة الفساد.
من هنا، فإن الرهان على الدور السعودي يجب ألاّ يُفهم على أنه بديل عن المسؤولية الداخلية، بل كعامل مساعد يُمكن أن يُحدث فارقًا إذا ما أحسن اللبنانيون استثماره. فلبنان، الذي دفع أثمان صراعات الآخرين على أرضه، يقف اليوم أمام فرصة لإعادة التموضع ضمن محيطه العربي، مستفيدًا من التحوّلات التي تقودها الرياض في المنطقة نحو التهدئة والاستقرار.
وعليه، فإن ما بعد أي اتفاق يضمن انسحاب إسرائيل لن يكون شبيهًا بما قبله. فإما أن ينجح لبنان، بدعم عربي وفي طليعته السعودي، في تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو التعافي، وإما أن يبدّدها كما بدّد فرصًا كثيرة في السابق. وفي الحالتين، تبقى المملكة حاضرة، كما كانت دائمًا، لكن الفارق هذه المرّة سيكون في مدى قدرة اللبنانيين على التقاط اليد الممدودة، والبناء عليها لإنقاذ وطن يترنّح بين الأزمات، ويبحث عن نافذة أمل حقيقية.












0 تعليق