في الظروف الطبيعية، تمر ذكرى 13 نيسان كموعد ثقيل في الذاكرة اللبنانية، حيث تُستعاد معها صور الحرب الأهلية ومآسيها كدرس من الماضي، قبل أن تعود إلى مكانها في الأرشيف العاطفي. لكنّ الذكرى بدت هذا العام علاوة على ذلك، مرآة لقلق حاضر بقوة. فالبلاد لا تستعيد الحرب الأهلية من مسافة آمنة، ولا تنظر إليها كصفحة قديمة في أرشيفها المثقل بالدم والخسارات، وإنما تستحضرها في ظلّ واقع مرّ لا تُحسَد عليه.
وفي حين غابت الصورة التذكارية السنوية لرجل الدين المسيحي إلى جانب رجل الدين المسلم عن المشهد، بعدما كادت تختزل في بعض الأدبيّات مفهوم "العيش المشترك"، فإنّ الواضح أنّ الذكرى وإنّ شكّلت استعادة وجدانية لأحداث جرت قبل أكثر من نصف قرن، إلا أنها تجاوزت هذا البعد، بحيث تبدو أقرب إلى اختبار للحاضر منها إلى وقفة حداد على الماضي، خصوصًا على مستوى تماسك الجبهة الداخلية، وقدرة المجتمع على الصمود أمام احتمالات التصدع.
هكذا، في ذكرى الحرب الأهلية، لا يستعيد اللبنانيون الماضي بوصفه صفحة منتهية، لأن ما يربكهم اليوم ليس الذاكرة وحدها، وإنما هشاشة اللحظة الراهنة نفسهاـ بعدما صار القلق أشد التصاقًا بما يدور داخل البلد نفسه. فالحرب المفتوحة على الحدود تتقاطع مع انقسام داخلي حاد، ومع أسئلة متفجرة حول القرار والسلاح والتفاوض، ما يجعل الخشية الفعلية متصلة بقدرة البلد على منع التصدع من التسلل إلى داخله.
الخوف الذي تسلل إلى الحاضر
لطالما كان اللبناني يخشى من الخارج، وتحديدًا على مستوى الحدود والحسابات الإقليمية الكبرى، وخصوصًا من أن يتحوّل بلده إلى ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين. هذا الخوف لا يزال قائمًا، بل لعلّه يبلغ ذروته اليوم مع اتساع الضغط الإسرائيلي. غير أن الجديد هو أن هذا القلق لم يعد منفصلًا عن التوجس الداخلي، فكلما ارتفع منسوب الكلام عن التفاوض وسقف التنازلات وشكل المرحلة المقبلة، ارتفعت معه الحساسية السياسية والاجتماعية في الشارع.
هذا لا يعني أن لبنان يقف على حافة تكرار ميكانيكي لعام 1975، ولا أن الحرب الأهلية عائدة غدًا. الفارق بين الزمنين كبير، والوعي الشعبي بخطورة الانزلاق أوسع وأعمق. لكن الوعي وحده لا يصنع حماية تلقائية. فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط النار والانقسام السياسي الحاد تصبح عرضة لارتفاع منسوب التوتر النفسي، وهو ما يعيد "الخوف القديم" كاحتمال سياسي حاضر لا كسيناريو منسي.
لكن لماذا صار الداخل نفسه مصدر قلق؟
ثمّة من يرى أنّ السبب الأبرز لهذا التحول هو أن النقاش لم يعد يدور حول "وقف إطلاق النار" كفعل تقني، بل حول "هوية القرار". فالسجال حول المبادرات الدولية وتحركات الموفدين كشف حجم التباين في الرؤى بين المكونات اللبنانية، حول طريق الخروج من هذه المواجهة، مما جعل أي خطوة دبلوماسية مرشحة لأن تتحول إلى مادة للاحتكاك السياسي الذي قد يتمدد شعبيًا في أي لحظة.
لكن ثمّة أسباب أخرى أيضًا، منها أن الحرب نفسها تضغط على قدرة المجتمع على التحمّل. فاستمرار القصف، واتساع النزوح، وكلفة المعيشة، والإنهاك النفسي، كلها عوامل تجعل الشارع أكثر قابلية للتشنج والانفعال. وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج البلد إلى أسباب كبرى حتى يرتفع منسوب الاحتقان. يكفي خطاب تحريضي، أو خلاف سياسي حاد، أو شعور جماعي بأن القرار يتخذ فوق رؤوس اللبنانيين، حتى يعود الخوف من الداخل إلى الواجهة بقوة.
أما السبب الثالث، فيتصل مباشرة بطرح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وما يفتحه هذا الطرح من أكثر العقد اللبنانية حساسية. القضية هنا لا ترتبط فقط بشكل العلاقة مع إسرائيل، وإنما بالأسئلة التي تفتحها هذه المفاوضات: من يفاوض؟ على ماذا؟ وبأي سقف؟ وهل يدخل لبنان هذه المرحلة من موقع الدولة الواحدة، أم من موقع التوازنات المتعددة؟
الدولة كخط دفاع أخير
في بلد مثل لبنان، لا تبقى هذه الأسئلة تقنية أو دبلوماسية، لأنها تمسّ مباشرة توازناته الداخلية ومخاوفه التاريخية. ولهذا السبب تحديدًا، بدا كلام نواف سلام في ذكرى الحرب الأهلية بالغ الدلالة، حين شدد على أن حماية لبنان تحتاج إلى "دولة واحدة قوية وعادلة". فالمطلوب اليوم أن يكون هناك مرجعية واحدة قادرة على حماية الداخل من التفسخ، وحماية الجبهة من التحول إلى مدخل لانقسام أوسع.
وعلى المستوى الأمني، جاءت تحذيرات الجيش من أي تحركات تهدد الاستقرار لتعكس واقعًا دقيقًا تراقبه المؤسسة العسكرية. فرفع سقف الخطاب الأمني يعني أن هناك مؤشرات قلق حقيقية في الشارع تحتاج إلى "ضبط استباقي"، وأن الجميع يدرك بأن منع الفتنة يحتاج إلى هيبة تنفيذية ملموسة لا إلى مجرد توافقات وجدانية عابرة، خصوصً أنّ منطق الأمور يقول إنه حين تكون الدولة حاضرة وقادرة، ينخفض منسوب الذعر تلقائيًا.
هنا يظهر التحدي الحقيقي أمام مفهوم الدولة؛ ففيما يجمع اللبنانيون على رفض الحرب الأهلية، يبقى هذا الإجماع هشًا ما لم تسنده مؤسسات قادرة على احتكار القرار وضبط الإيقاع العام. فكلما بدت الدولة أضعف من مستوى القلق الشعبي، اتسعت المساحة أمام الخوف ليتسلل إلى الحياة العامة، محولًا الذكرى إلى مساءلة جدية للحاضر. وطالما أنّ هذا الشرط لم يكتمل بعد، فإن ذكرى 13 نيسان تتحول تلقائيًا من مناسبة للبكاء على الماضي إلى مناسبة لمساءلة الحاضر: هل توجد اليوم دولة تكفي كي يبقى الخوف من الحرب الأهلية مجرد ذاكرة؟
في المحصلة، لا يواجه لبنان خطر الحرب الخارجية فقط، بل يواجه خطر أن تفقد الجبهة "كوابحها" النفسية فتتسلل التوترات إلى الداخل على هيئة انقسام وتحريض. من هنا، يمكن القول إن ذكرى 13 نيسان 2026 هي إنذار هادئ مفاده أن تذكر الحرب لا يكفي لمنعها، وأن الضمانة الوحيدة ليبقى هذا الخوف مجرد ذاكرة هي وجود دولة حقيقية، واحدة، قادرة على تحويل القلق إلى استقرار، والذاكرة إلى رادع حقيقي.
وفي حين غابت الصورة التذكارية السنوية لرجل الدين المسيحي إلى جانب رجل الدين المسلم عن المشهد، بعدما كادت تختزل في بعض الأدبيّات مفهوم "العيش المشترك"، فإنّ الواضح أنّ الذكرى وإنّ شكّلت استعادة وجدانية لأحداث جرت قبل أكثر من نصف قرن، إلا أنها تجاوزت هذا البعد، بحيث تبدو أقرب إلى اختبار للحاضر منها إلى وقفة حداد على الماضي، خصوصًا على مستوى تماسك الجبهة الداخلية، وقدرة المجتمع على الصمود أمام احتمالات التصدع.
هكذا، في ذكرى الحرب الأهلية، لا يستعيد اللبنانيون الماضي بوصفه صفحة منتهية، لأن ما يربكهم اليوم ليس الذاكرة وحدها، وإنما هشاشة اللحظة الراهنة نفسهاـ بعدما صار القلق أشد التصاقًا بما يدور داخل البلد نفسه. فالحرب المفتوحة على الحدود تتقاطع مع انقسام داخلي حاد، ومع أسئلة متفجرة حول القرار والسلاح والتفاوض، ما يجعل الخشية الفعلية متصلة بقدرة البلد على منع التصدع من التسلل إلى داخله.
الخوف الذي تسلل إلى الحاضر
لطالما كان اللبناني يخشى من الخارج، وتحديدًا على مستوى الحدود والحسابات الإقليمية الكبرى، وخصوصًا من أن يتحوّل بلده إلى ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين. هذا الخوف لا يزال قائمًا، بل لعلّه يبلغ ذروته اليوم مع اتساع الضغط الإسرائيلي. غير أن الجديد هو أن هذا القلق لم يعد منفصلًا عن التوجس الداخلي، فكلما ارتفع منسوب الكلام عن التفاوض وسقف التنازلات وشكل المرحلة المقبلة، ارتفعت معه الحساسية السياسية والاجتماعية في الشارع.
هذا لا يعني أن لبنان يقف على حافة تكرار ميكانيكي لعام 1975، ولا أن الحرب الأهلية عائدة غدًا. الفارق بين الزمنين كبير، والوعي الشعبي بخطورة الانزلاق أوسع وأعمق. لكن الوعي وحده لا يصنع حماية تلقائية. فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط النار والانقسام السياسي الحاد تصبح عرضة لارتفاع منسوب التوتر النفسي، وهو ما يعيد "الخوف القديم" كاحتمال سياسي حاضر لا كسيناريو منسي.
لكن لماذا صار الداخل نفسه مصدر قلق؟
ثمّة من يرى أنّ السبب الأبرز لهذا التحول هو أن النقاش لم يعد يدور حول "وقف إطلاق النار" كفعل تقني، بل حول "هوية القرار". فالسجال حول المبادرات الدولية وتحركات الموفدين كشف حجم التباين في الرؤى بين المكونات اللبنانية، حول طريق الخروج من هذه المواجهة، مما جعل أي خطوة دبلوماسية مرشحة لأن تتحول إلى مادة للاحتكاك السياسي الذي قد يتمدد شعبيًا في أي لحظة.
لكن ثمّة أسباب أخرى أيضًا، منها أن الحرب نفسها تضغط على قدرة المجتمع على التحمّل. فاستمرار القصف، واتساع النزوح، وكلفة المعيشة، والإنهاك النفسي، كلها عوامل تجعل الشارع أكثر قابلية للتشنج والانفعال. وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج البلد إلى أسباب كبرى حتى يرتفع منسوب الاحتقان. يكفي خطاب تحريضي، أو خلاف سياسي حاد، أو شعور جماعي بأن القرار يتخذ فوق رؤوس اللبنانيين، حتى يعود الخوف من الداخل إلى الواجهة بقوة.
أما السبب الثالث، فيتصل مباشرة بطرح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وما يفتحه هذا الطرح من أكثر العقد اللبنانية حساسية. القضية هنا لا ترتبط فقط بشكل العلاقة مع إسرائيل، وإنما بالأسئلة التي تفتحها هذه المفاوضات: من يفاوض؟ على ماذا؟ وبأي سقف؟ وهل يدخل لبنان هذه المرحلة من موقع الدولة الواحدة، أم من موقع التوازنات المتعددة؟
الدولة كخط دفاع أخير
في بلد مثل لبنان، لا تبقى هذه الأسئلة تقنية أو دبلوماسية، لأنها تمسّ مباشرة توازناته الداخلية ومخاوفه التاريخية. ولهذا السبب تحديدًا، بدا كلام نواف سلام في ذكرى الحرب الأهلية بالغ الدلالة، حين شدد على أن حماية لبنان تحتاج إلى "دولة واحدة قوية وعادلة". فالمطلوب اليوم أن يكون هناك مرجعية واحدة قادرة على حماية الداخل من التفسخ، وحماية الجبهة من التحول إلى مدخل لانقسام أوسع.
وعلى المستوى الأمني، جاءت تحذيرات الجيش من أي تحركات تهدد الاستقرار لتعكس واقعًا دقيقًا تراقبه المؤسسة العسكرية. فرفع سقف الخطاب الأمني يعني أن هناك مؤشرات قلق حقيقية في الشارع تحتاج إلى "ضبط استباقي"، وأن الجميع يدرك بأن منع الفتنة يحتاج إلى هيبة تنفيذية ملموسة لا إلى مجرد توافقات وجدانية عابرة، خصوصً أنّ منطق الأمور يقول إنه حين تكون الدولة حاضرة وقادرة، ينخفض منسوب الذعر تلقائيًا.
هنا يظهر التحدي الحقيقي أمام مفهوم الدولة؛ ففيما يجمع اللبنانيون على رفض الحرب الأهلية، يبقى هذا الإجماع هشًا ما لم تسنده مؤسسات قادرة على احتكار القرار وضبط الإيقاع العام. فكلما بدت الدولة أضعف من مستوى القلق الشعبي، اتسعت المساحة أمام الخوف ليتسلل إلى الحياة العامة، محولًا الذكرى إلى مساءلة جدية للحاضر. وطالما أنّ هذا الشرط لم يكتمل بعد، فإن ذكرى 13 نيسان تتحول تلقائيًا من مناسبة للبكاء على الماضي إلى مناسبة لمساءلة الحاضر: هل توجد اليوم دولة تكفي كي يبقى الخوف من الحرب الأهلية مجرد ذاكرة؟
في المحصلة، لا يواجه لبنان خطر الحرب الخارجية فقط، بل يواجه خطر أن تفقد الجبهة "كوابحها" النفسية فتتسلل التوترات إلى الداخل على هيئة انقسام وتحريض. من هنا، يمكن القول إن ذكرى 13 نيسان 2026 هي إنذار هادئ مفاده أن تذكر الحرب لا يكفي لمنعها، وأن الضمانة الوحيدة ليبقى هذا الخوف مجرد ذاكرة هي وجود دولة حقيقية، واحدة، قادرة على تحويل القلق إلى استقرار، والذاكرة إلى رادع حقيقي.












0 تعليق