لبنان الذي نعرفه لم يعد موجودًا. وعندما نقول لبنان نعني به "لبنان الكبير"، لبنان البطريرك الماروني الياس الحويك، لبنان الـ 10452 كلم مربعًا، لبنان الممتد على مساحة جغرافية من الناقورة حتى النهر الكبير، لبنان العيش الواحد، لبنان كميل شمعون وبيار الجميل وريمون أده، لبنان المفتي حسن خالد ورياض الصلح، لبنان الامامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، لبنان كمال جنبلاط والمير مجيد أرسلان. فـ "لبنان الكبير" بشعبه وليس بجغرافيته سيصبح بفعل الحرب الدائرة بين إسرائيل و"حزب الله" أصغر من الصغير، بعد أن يحتّل الجيش الإسرائيلي ثلث مساحته الجغرافية، وبعد أن يصبح ثلث أهله مشرّدين وهائمين على وجوههم، وبعد أن تقود الخلافات الداخلية بين اللبنانيين إلى فوضى قد تلامس الفتنة بدلًا من أن يتوحدّوا لمواجهة ما يتعرّض له "وطنهم الصغير" من محاولات لتغيير مقصود في هوية أبنائه وانتمائهم.
لم يكن من أطلق ثلاثية المصير بالنسبة إلى اللبنانيين، أبناء الحروب، على خطأ حين توقع أن يموت ثلث اللبنانيين نتيجة هذه الحروب المتعاقبة، وأن يهجّر ثلثهم، وأن يهاجر الثلث الآخر. قد يكون في هذا القول بعض المبالغة، ولكنه قريب كثيرًا إلى الواقع، أقّله بالنسبة إلى الثلث النازح من الشعب، الذي أصبح من دون مأوى أو ملجأ بعدما دمّرت إسرائيل ما تبقّى من بيوت في الجنوب المعّلق على خشبة المعاناة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المهاجرين إلى بلاد الله الواسعة. وأعطي مثالًا على ذلك وهو أن من راقب كثافة المؤمنين، الذين أموّا الكنائس في كندا، وبخاصة في مونتريال، في أحد الشعانين، تبادر إلى ذهنه سؤال ساذج بمضمونه، ولكنه ذات دلالات بأبعاده. وهذا السؤال يختصر معاناة بلد قد يصبح ثلث أهله مشتّتًا في كل أقاصي المعمورة: هل لا يزال في لبنان لبنانيون؟
المشكلة لم تعد فقط في احتلال أرض أو في نزوح ناس، بل في أن لبنان نفسه يتفكك كفكرة قبل أن يتفكك كجغرافيا. فالأوطان لا تسقط فقط عندما تُحتل أراضيها، بل عندما يتشتت شعبها، وعندما يفقد أبناؤها الإيمان بأن لا لهم مستقبلًا فيها.
لبنان الذي عرفناه كان فكرة قبل أن يكون حدودًا، وكان رسالة قبل أن يكون دولة، وكان لقاءً قبل أن يكون نظامًا سياسيًا. وهذا ما اكتشفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني. أمّا اليوم، فلبنان مهدد بأن يتحول إلى مجرد أرض يعيش عليها من بقي، ويغادرها من يستطيع، ويقاتل فوقها من يريد أن ينتحر.
أخطر ما في الأمر ليس أن ثلث الوطن قد يُحتل، ولا أن ثلث الشعب قد ينزح، بل أن الثلث الباقي قد يفقد الأمل، وعندما يفقد شعبٌ ما الأمل، يصبح الوطن في خطر أكبر من أي احتلال أو حرب.
وفي التاريخ، هناك دول احتُلّت وتحرّرت، ودول تهجّر شعبها ثم عاد، لكن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد هو أن يقتنع أبناؤه بأن لا مستقبل له. عندها لا يعود سقوط الوطن في حاجة إلى حرب، بل يكفي أن يرحل أبناؤه بصمت.
ولهذا، قد لا يكون السؤال اليوم: كم بقي من أرض لبنان؟ بل السؤال الأخطر: هو كم بقي من لبنان في قلوب اللبنانيين
ولكن، وعلى رغم كل ما مرّ على هذا البلد من حروب واحتلالات وأزمات وانقسامات، بقي لبنان. مرّ عليه العثمانيون، ثم الانتداب الفرنسي، ثم الاحتلال الإسرائيلي، ثم الوصايات والحروب والاتفاقات والاغتيالات والانهيارات، ورحل الجميع وبقي لبنان.
هذه ليست جملة عاطفية أو شعرًا عابرًا، بل حقيقة تاريخية. لم يكن لبنان يومًا بلدًا قويًا بجيشه أو باقتصاده أو بدولته، لكنه كان قويًا بشيء واحد: قدرته العجيبة على البقاء. وكأن هذا البلد محكوم بأن يتعب ولا يموت، أن يُضرب ولا يسقط، أن يهاجر أبناؤه ويعودون إليه، أو يبقى في قلوبهم أينما ذهبوا.
لبنان ليس مجرد دولة عادية، بل فكرة. وفكرة لبنان كانت دائمًا أقوى من الحروب، وأقوى من الاحتلالات، وأقوى من الأزمات. ولهذا السبب بالذات، كل الذين دخلوا لبنان محتلين خرجوا منه يومًا، وكل الذين اعتقدوا أن لبنان انتهى اكتشفوا بعد سنوات أنه لم ينتهِ.
قد يُحتل جزء من أرضه، قد يُهجّر جزء من شعبه، قد ينهار اقتصاده، قد تضعف دولته، لكن لبنان في كل مرة كان يعود بشكل مختلف، أصغر أحيانًا، أفقر أحيانًا، أكثر تعبًا دائمًا، لكنه كان يعود.
ولهذا، قد يكون صحيحًا أن ثلث الوطن محتّل وثلث أهله نازح، لكن الصحيح أيضًا أن هذا البلد الذي نجا من مئة أزمة، قد ينجو مرة جديدة. فلبنان بلد لا يُفهم بالسياسة فقط، بل يُفهم بالتاريخ. وتاريخ هذا البلد يقول شيئًا واحدًا: يتعب لبنان، يتألم لبنان، ينزف لبنان، لكنه نادرًا ما يموت.
لم يكن من أطلق ثلاثية المصير بالنسبة إلى اللبنانيين، أبناء الحروب، على خطأ حين توقع أن يموت ثلث اللبنانيين نتيجة هذه الحروب المتعاقبة، وأن يهجّر ثلثهم، وأن يهاجر الثلث الآخر. قد يكون في هذا القول بعض المبالغة، ولكنه قريب كثيرًا إلى الواقع، أقّله بالنسبة إلى الثلث النازح من الشعب، الذي أصبح من دون مأوى أو ملجأ بعدما دمّرت إسرائيل ما تبقّى من بيوت في الجنوب المعّلق على خشبة المعاناة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المهاجرين إلى بلاد الله الواسعة. وأعطي مثالًا على ذلك وهو أن من راقب كثافة المؤمنين، الذين أموّا الكنائس في كندا، وبخاصة في مونتريال، في أحد الشعانين، تبادر إلى ذهنه سؤال ساذج بمضمونه، ولكنه ذات دلالات بأبعاده. وهذا السؤال يختصر معاناة بلد قد يصبح ثلث أهله مشتّتًا في كل أقاصي المعمورة: هل لا يزال في لبنان لبنانيون؟
المشكلة لم تعد فقط في احتلال أرض أو في نزوح ناس، بل في أن لبنان نفسه يتفكك كفكرة قبل أن يتفكك كجغرافيا. فالأوطان لا تسقط فقط عندما تُحتل أراضيها، بل عندما يتشتت شعبها، وعندما يفقد أبناؤها الإيمان بأن لا لهم مستقبلًا فيها.
لبنان الذي عرفناه كان فكرة قبل أن يكون حدودًا، وكان رسالة قبل أن يكون دولة، وكان لقاءً قبل أن يكون نظامًا سياسيًا. وهذا ما اكتشفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني. أمّا اليوم، فلبنان مهدد بأن يتحول إلى مجرد أرض يعيش عليها من بقي، ويغادرها من يستطيع، ويقاتل فوقها من يريد أن ينتحر.
أخطر ما في الأمر ليس أن ثلث الوطن قد يُحتل، ولا أن ثلث الشعب قد ينزح، بل أن الثلث الباقي قد يفقد الأمل، وعندما يفقد شعبٌ ما الأمل، يصبح الوطن في خطر أكبر من أي احتلال أو حرب.
وفي التاريخ، هناك دول احتُلّت وتحرّرت، ودول تهجّر شعبها ثم عاد، لكن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد هو أن يقتنع أبناؤه بأن لا مستقبل له. عندها لا يعود سقوط الوطن في حاجة إلى حرب، بل يكفي أن يرحل أبناؤه بصمت.
ولهذا، قد لا يكون السؤال اليوم: كم بقي من أرض لبنان؟ بل السؤال الأخطر: هو كم بقي من لبنان في قلوب اللبنانيين
ولكن، وعلى رغم كل ما مرّ على هذا البلد من حروب واحتلالات وأزمات وانقسامات، بقي لبنان. مرّ عليه العثمانيون، ثم الانتداب الفرنسي، ثم الاحتلال الإسرائيلي، ثم الوصايات والحروب والاتفاقات والاغتيالات والانهيارات، ورحل الجميع وبقي لبنان.
هذه ليست جملة عاطفية أو شعرًا عابرًا، بل حقيقة تاريخية. لم يكن لبنان يومًا بلدًا قويًا بجيشه أو باقتصاده أو بدولته، لكنه كان قويًا بشيء واحد: قدرته العجيبة على البقاء. وكأن هذا البلد محكوم بأن يتعب ولا يموت، أن يُضرب ولا يسقط، أن يهاجر أبناؤه ويعودون إليه، أو يبقى في قلوبهم أينما ذهبوا.
لبنان ليس مجرد دولة عادية، بل فكرة. وفكرة لبنان كانت دائمًا أقوى من الحروب، وأقوى من الاحتلالات، وأقوى من الأزمات. ولهذا السبب بالذات، كل الذين دخلوا لبنان محتلين خرجوا منه يومًا، وكل الذين اعتقدوا أن لبنان انتهى اكتشفوا بعد سنوات أنه لم ينتهِ.
قد يُحتل جزء من أرضه، قد يُهجّر جزء من شعبه، قد ينهار اقتصاده، قد تضعف دولته، لكن لبنان في كل مرة كان يعود بشكل مختلف، أصغر أحيانًا، أفقر أحيانًا، أكثر تعبًا دائمًا، لكنه كان يعود.
ولهذا، قد يكون صحيحًا أن ثلث الوطن محتّل وثلث أهله نازح، لكن الصحيح أيضًا أن هذا البلد الذي نجا من مئة أزمة، قد ينجو مرة جديدة. فلبنان بلد لا يُفهم بالسياسة فقط، بل يُفهم بالتاريخ. وتاريخ هذا البلد يقول شيئًا واحدًا: يتعب لبنان، يتألم لبنان، ينزف لبنان، لكنه نادرًا ما يموت.









0 تعليق