كواليس ليلة «مطرقة منتصف الليل».. صدام صامت بين ترامب وفانس حول ضرب إيران

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

​لم تكن ليلة "عملية مطرقة منتصف الليل" العسكرية مجرد محطة عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، بل مثلت نقطة تحول كشفت عن صدام صامت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس داخل أروقة البيت الأبيض.

 ظهرت الخلافات العميقة والتباين الواضح في الرؤى السياسية والعسكرية بين الرجلين في اللحظات الأكثر حرجاً من إدارة الأزمة الشائكة، وهو ما عكس فجوة واضحة في اتخاذ القرارات المصيرية.

​وحسب تقرير لموقع صحيفة معاريف الإسرائيلية نقلاً عن كتاب "تغيير النظام" لصحفيي نيويورك تايمز ماجي هابرمان وجوناثان سوان، فإن كواليس تلك الليلة حملت مواجهة حاسمة غير مسبوقة بين القطبين، إذ دخل فانس الغرفة وهو يعاني من قلق ملحوظ توجساً من التبعات العسكرية لقرار ضرب إيران، بينما كان ترامب يبدي عناداً كبيراً وإصراراً على المضي قدماً في الخيار العسكري وتوجيه الضربة دون تراجع.

​وتشير التسريبات الواردة في الكتاب الجديد إلى أن نائب الرئيس الأمريكي حاول إقناع ترامب بضرورة تلطيف نبرة الخطاب الموجه للأمة لتفادي تصعيد أكبر، إلا أن رد الرئيس جاء حاسماً وقاطعاً برفض أي تعديل، حيث أدار ظهره لنائبه ومضى دون إضافة أي كلمة أخرى، مما أظهر رغبة ترامب المطلقة في فرض رؤيته الاستراتيجية والخطابية الكاملة على فريقه دون السماح بأي نقاش أو مراجعة.

​ولم تتوقف الأزمة عند تفاصيل تلك الليلة العاصفة بل امتدت لتشمل التصريحات الإعلامية اللاحقة، حيث حاول فانس التزام الحذر الشديد خلال مقابلته مع شبكة إي بي سي نيوز وتجنب تأكيد الإبادة الكاملة للمنشآت الإيرانية بناءً على تقارير استخباراتية، مما أثار غضب ترامب الذي كان يرى في عبارة التدمير الكامل ركيزة أساسية لخطابه السياسي لا تقبل التشكيك أو التهاون من أي مسؤول.

​وحسب ما ورد في ذات المصدر الصحفي فإن الغضب العارم الذي انتاب ترامب دفعه لمطالبة جميع المقربين منه وأعضاء إدارته بتكرار كلمة دُمِر دون أي تغيير، معتبراً إياها اللفظة الوحيدة المسموح بها لوصف نتائج الهجوم، وهو الأمر الذي استوعبه فانس سريعاً ليظهر في اليوم التالي عبر شاشة فوكس نيوز مكرراً ذات العبارة التي أرادها ترامب لإثبات الولاء التام وتفادي تفاقم الخلاف العلني.

​وفي المقابل سارعت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إلى احتواء الموقف المتأزم عبر نفي كل ما ورد في الكتاب، حيث أكدت في بيان رسمي صادر عنها أن فانس يظل عضواً موثوقاً به ومتميزاً للغاية في فريق الأمن القومي، مشددة على أن إخلاص نائب الرئيس نحو ترامب راسخ ولا يتزعزع، في محاولة واضحة لترميم التصدع الدبلوماسي والإعلامي الذي أحدثته هذه التسريبات الخطيرة.

تداعيات دبلوماسية معقدة ومستقبل المفاوضات الملغاة

​وتكتسب هذه الخلافات المكتومة أهمية استثنائية بالنظر إلى التوقيت الحساس الذي تمر به المنطقة والعالم، خاصة وأن فانس كان يستعد للتوجه إلى سويسرا لعقد مباحثات مباشرة مع الجانب الإيراني في منتجع بورجنشتوك، وهي الخطوة التي جاءت كترتيب مكمل لمذكرة التفاهم التي وقعها ترامب في فرنسا، مما جعل التنسيق والانسجام بين الرئيس ونائبه أمراً بالغ الحيوية لنجاح هذه المهمة الخارجية الشائكة.

​وتوضح التقارير الدبلوماسية أن الترتيبات السويسرية المقررة أُلغيت في اللحظات الأخيرة بسبب تعقيدات لوجستية وعدم اكتمال التجهيزات الخاصة بالوفد الإيراني وفق ما نقلته وكالة رويترز للأنباء، ورغم هذا الإلغاء المفاجئ فقد أكدت واشنطن استمرار تطلعها لاستئناف هذه المفاوضات قريباً، وهو ما يضع فانس في موقف حرج نظراً لعدم وجود مرونة كافية من جانب ترامب الذي يراقب كل التفاصيل بدقة.

​ويجد نائب الرئيس نفسه اليوم في مواجهة مسارين معقدين للغاية على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث يتعين عليه التعامل بحذر مع ترامب الذي لا يقبل المهادنة أو الخروج عن النص المحدد، وفي الوقت نفسه قيادة ملف تفاوضي دولي شائك ومحفوف بالمخاطر مع طهران، مما يجعل من الرجل الذي أدار ترامب ظهره له ليلة الضربة الشخصية الأكثر تعقيداً في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر.

​وتشير التحليلات السياسية إلى أن هذا التباين يعكس صراعاً فكرياً أعمق داخل الحزب الجمهوري بين التيار التقليدي والتيار الانعزالي، فبينما يميل فانس إلى تجنب الحروب الطويلة خارج الحدود بسبب خلفيته العسكرية السابقة في العراق، يفضل ترامب استعراض القوة العسكرية الحاسمة لتحقيق مكاسب سياسية فورية، وهو التناقض الذي قد يؤثر مستقبلاً على تماسك الإدارة الأمريكية في مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة.

​إن الإصرار الصارم من جانب ترامب على فرض لغة محددة في الإعلام يوضح مدى اهتمامه بالصورة الذهنية لقوته أمام الناخبين والخصوم، حيث يرى ترامب أن أي تراجع أو تشكيك في حجم الدمار من قبل نائبه قد يُفسر على أنه ضعف أو فشل للعملية العسكرية، مما جعله يضغط بكل ثقله لتوحيد الخطاب السياسي للإدارة وضمان تبعية كاملة من كافة المساعدين والمستشارين.

​وتؤكد المصادر المقربة من البيت الأبيض أن الأيام المقبلة ستشهد محاولات مكثفة لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية وتجاوز تداعيات كتاب تغيير النظام، لا سيما وأن ترامب يدرك أهمية الحفاظ على مظهر الوحدة أمام الحلفاء والأعداء على حد سواء، بينما يحاول فانس إثبات كفاءته الدبلوماسية في الملف الإيراني مع الالتزام التام بالخطوط العريضة والموجهات الصارمة التي يضعها ترامب لضمان بقائه في دائرة الثقة.

الخلفية العسكرية وراء موقف فانس المتحفظ

​وتعود جذور تحفظ نائب الرئيس إلى تجربته السابقة كضابط في مشاة البحرية الأمريكية خلال حرب العراق، وهي التجربة التي شكلت وعيه السياسي وجعلته يتبنى موقفا معارضاً للتدخلات العسكرية غير المحسوبة، مما يفسر قلقه البالغ ليلة الهجوم وخوفه من انزلاق واشنطن إلى مواجهة شاملة وطويلة الأمد مع طهران، وهو ما يتناقض أحياناً مع اندفاع ترامب نحو القرارات الاستراتيجية الكبرى والصادمة.

​وعلى الرغم من محاولات النفي الرسمية الصادرة من الإدارة الأمريكية فإن الخبراء يرون أن التسريبات تحمل قدراً كبيراً من الواقعية، نظرًا لطبيعة شخصية ترامب القيادية التي تميل إلى السيطرة الكاملة وتوجيه الأحداث وفق رؤيته الفردية، مما يجعل من الصعب على أي نائب رئيس مهما بلغت درجة قربه أن يمارس دوراً استشارياً حقيقياً في اللحظات العسكرية الحاسمة والمصيرية.

​وقد أظهرت هذه الحادثة كيف يدار القرار في واشنطن تحت قيادة ترامب، حيث تصبح التقييمات الاستخباراتية الدقيقة وتصريحات المسؤولين خاضعة للرواية السياسية التي يفضل الرئيس تصديرها للرأي العام، مما يضع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية في اختبار حقيقي بين الالتزام بالحقائق الميدانية أو مسايرة رغبة ترامب في إظهار الحسم العسكري المطلق والنجاح الكامل دون أي هوامش للخطأ.

​وتترقب الأوساط السياسية الدولية كيفية انعكاس هذا الصدام الداخلي على مسار المفاوضات المستقبلية مع طهران، فإذا كان ترامب يتمسك بخطاب القوة المطلقة والتدمير الشامل فإن قدرة فانس على تقديم تنازلات دبلوماسية أو صياغة حلول وسط خلال الاجتماعات المرتقبة ستكون محدودة للغاية، مما قد يؤدي إلى طريق مسدود في المحادثات الدبلوماسية المقررة ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري مجدداً.

​وفي ظل هذه الأجواء المشحونة يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الشراكة السياسية بين ترامب ونائبه على الصمود أمام الاختبارات العنيفة المقبلة، خاصة وأن الملفات الخارجية والداخلية تزداد تعقيداً وتتطلب انسجاماً تاماً، غير أن أسلوب ترامب في إدارة شؤون الحكم قد يدفع فانس إلى مزيد من الانكفاء وتبني مواقف الرئيس بالكامل تجنباً لأي صدامات جديدة قد تطيح بمستقبله السياسي.

​وحتى الآن يبدو أن نائب الرئيس قد اختار طريق السلامة السياسية من خلال تبني الخطاب الرسمي الصارم الذي يفضله ترامب، مضحياً بآرائه الخاصة وتحفظاته العسكرية في سبيل الحفاظ على موقعه داخل السلطة، وهو السلوك الذي يظهر مدى السطوة الكبيرة التي يمتلكها ترامب على فريقه الحكومي وقدرته على تطويع المواقف والآراء لتتطابق تماماً مع تطلعاته وتوجهاته السياسية.

مستقبل العلاقات الدبلوماسية تحت مظلة التهديد

​وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة باتت تعيش على وقع ترتيبات جديدة تفرضها القوة العسكرية الأمريكية التي يقودها ترامب، حيث تسعى واشنطن من خلال هذه الضربات إلى فرض شروط تفاوضية جديدة وأكثر صرامة على طهران، مستغلة حالة الردع التي أحدثتها عملية مطرقة منتصف الليل لانتزاع تنازلات جوهرية وغير مسبوقة في الملف النووي والصاروخي الإيراني المثيرة للجدل طوال السنوات الماضية.

​ويعتقد المراقبون أن الصراع الصامت في البيت الأبيض لن يثني ترامب عن مواصلة نهجه الهجومي، بل قد يدفعه إلى مزيد من التشدد للتأكيد على صحة خياراته العسكرية السابقة، مما يضع العواصم الإقليمية والدولية في حالة ترقب مستمر لخطوات واشنطن المقبلة، والتي ستكون محددة بشكل قاطع برؤية ترامب المنفردة وتوجهاته التي لا تقبل المراجعة أو التشكيك من أي طرف كان.

​وفي النهاية تظل كواليس ليلة ضرب إيران شاهداً على طبيعة الحكم في عهد ترامب، حيث تتداخل القرارات العسكرية المصيرية مع الحسابات السياسية والإعلامية الشخصية، وتصبح الكلمة الفصل للرئيس وحده الذي لا يتردد في إقصاء أي صوت يغرد خارج سربه، تاركاً لنائبه فانس وبقية المسؤولين في الإدارة خياراً واحداً وهو السير في ركابه وتكرار مصطلحاته بحذافيرها دون زيادة أو نقصان.

​وتعكس هذه الأزمة البنيوية العميقة مدى الصعوبة التي تواجهها النخب السياسية الأمريكية في التعامل مع نمط القيادة الذي يتبعه ترامب، والذي يعتمد على المفاجأة والضغط المستمر وتهميش القنوات التقليدية لصنع القرار، مما يجعل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية خاضعة لمزاجية القيادة العليا وتقلباتها السريعة في مواجهة الأزمات الدولية المعقدة والشائكة في مختلف مناطق العالم.

​ومع استمرار تدفق التسريبات من الكتب والمصادر الصحفية يزداد الضغط الإعلامي على البيت الأبيض لتوضيح حقيقة المواقف الداخلية، إلا أن الاستراتيجية الحالية المتبعة تركز على تجاهل هذه التقارير والتركيز على إبراز نجاحات ترامب العسكرية والدبلوماسية، باعتبارها الرد العملي الأقوى على كل المشككين في قدرة الإدارة الحالية على حماية المصالح الأمنية العليا للبلاد وتحقيق الاستقرار المنشود.

​وتظل الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى تأثير هذه الصدامات المكتومة على تماسك الفريق الرئاسي، وفيما إذا كان ترامب سيمنح نائبه فانس مساحة أكبر للحركة في الملفات الدبلوماسية المقبلة، أم أن قرار إدارته الظهر له في تلك الليلة التاريخية كان مؤشراً مبكراً على تحجيم دور النائب وقصر مهامه على تنفيذ أوامر الرئيس وتكرار عباراته بدقة بالغة أمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق